نظرية الدومينو (Domino Theory)!
رنا علوان
تعد نظرية الدومينو من أهم النظريات السياسية التي ظهرت في القرن العشرين ، وتقوم على مبدأ تدحرج الاحداث بطريقة متتالية للوصول الى النهاية
وفي شرح دقيق لنظرية الدومينو لـ [ هاينريش ]
أن جميع الحوادث تنتج عن سلسلة مترابطة من الأحداث ، في تعبيرها البلاغي [ تمامًا مثل سقوط قطع الدومينو ، حجر تلو الآخر ]
فعندما تسقط إحدى القطع يتتابع البقية في السقوط ، ولكن في نفس الوقت إذا
[ استطعت إزالة أحد قطع الدومينو من المنتصف مثلًا فقد منعت رد الفعل المتتابع للسقوط ]
يقول [ هاينريش ] أن الدومينو الخماسية كمسمى مجازي للتعبير عن الأسباب التي تؤدي لوقوع حادث ما ، تلك الأسباب التي قد تكون البيئة الاجتماعية أو النسب أو خطأ شخصي أو فعل غير آمن أو الخطر المادي أو البدني ، ويرى أن إزالة الخطر عن الكل من خلال التقليل من وجود هذا الجزء غير الآمن أو القضاء عليه
يسقط [ هاينريش ] نظريته على كل من الافراد والمجتمعات ، وعلى أصعدة مختلفة ، فعلى صعيد شخصي يضرب لنا مثلاً
( القطعة الأولى ) وهي الأصل في تسلسل الدومينو ، ويشير إلى شخصية العامل ، وبحسب شرح هاينريش يقول أن العناد والجشع والتهور من صفات الشخصية غير المرغوب فيها ، ومن الممكن انتقالهم من شخص واحد عبر الأجيال التالية له من الجينات الوراثية أو من البيئة الاجتماعية ، حيث تعد الوراثة والبيئة وجهان لعملة واحدة من الممكن أن يساهموا في ارتكاب الأشخاص للأخطاء
أما على صعيد سياسي ، فأول من طبّق هذه النظرية ، كان الإنحاد السوفيتي فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ، سيطر الاتحاد على معظم بلدان أوروبا الشرقية وأوروبا كجزء من التسوية التي حصلت خلال الحرب ، وهو ما اعتبرته الدول الغربية بمثابة سقوط أحجار الدومينو
الأمر الذي دفع ونستون تشرشل ليعلن في خطابه عام 1946 في كلية وستمنستر في فولتون وميسوري ما يلي [ توسع الاتحاد السوفيتي من شتتين في بحر البلطيق إلى تريست في البحر الأدرياتيكي خطأ]
لقد نزل الستار الحديدي في جميع أنحاء القارة ، وراء هذا الخط تقع كل عواصم الدول القديمة في أوروبا الوسطى والشرقية (وارسو ، براغ ، بودابست ، بلغراد ، بوخارست ، صوفيا)، كل هذه المدن الشهيرة والسكان حولها أصبحت في فلك الاتحاد السوفيتي ، وكلها تخضع له بشكل وبآخر ، وليس فقط إلى النفوذ السوفياتي ، وفي بعض الحالات يتحكم الاتحاد السوفيتي في سياسات هذه الدول”
حاولت السياسة الأمريكية مواجهة الدومينو السوفيتي
، حيث أعلن الزعيم الوطني الفيتنامي هوشي مينه استقلال فيتنام عن فرنسا في شهر أيلول/ سبتمبر عام 1945
وفي بداية الحرب الفيتنامية في عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان ، قدمت الحكومة الأمريكية المساعدة العسكرية السرية والمساعدات المالية للفرنسيين ، كان المبرر أن فوز الشيوعيين في الهند الصينية من شأنه أن يُسرّع من انتشار الشيوعية في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا ، كما قدّم أيضًا ، مساعدات لليونان خلال الحرب الأهلية اليونانية ، ولتركيا بعد الحرب العالمية الثانية خلال أواخر الأربعينات ، كل تلك المساعدات بغية احتواء الشيوعية في أوروبا والشرق الأوسط ، لمنعه من التمدد نحو الدول الأخرى ، فأي بلد يصبح شيوعي سواءً بالانتخابات الديمقراطية أو القوة يعتبر أمرًا مرفوض ، ويشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي ، وقد عرف هذا الإحتواء بإسم (مبدأ ترومان)
بيد أنه في عام 1949 انتصرت الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ في الصين على الصين القومية ، وهو ما اعتبرته الدول الغربية تمددًا للاتحاد السوفيتي والنفوذ الشيوعي وخسارة لها ، فقامت الولايات المتحدة الأمريكية بقطع العلاقات مع الصين ردًا على استيلاء الشيوعيين في عام 1949
في عام 1947 ، شارك كينان أيضًا مع الآخرين في إدارة ترومان ، عبر خلق [ خطة مارشال ] التي بدأت لتقديم المساعدات إلى بلدان أوروبا الغربية كي لا تصبح هذه الدول شيوعية ، وفي عام 1949 انتصرت الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ في الصين على الصين القومية ، وهو ما اعتبرته الدول الغربية تمدداً للاتحاد السوفيتي والنفوذ الشيوعي وخسارة لها
في عام 1949 فقامت الولايات المتحدة الأمريكية بقطع العلاقات مع الصين رداً على استيلاء الشيوعيين
وفي عام 1950 اندلع القتال بين كوريا الشمالية الشيوعية المدعومة من الصين والاتحاد السوفيتي ، وكوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية ، فيما عُرف لاحقاً بالحرب الكورية ، حيث كان قرار رئيس الصين ماو تسي تونغ الوقوف في وجه الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية بمثابة محاولة مباشرة لمواجهة سياسة الاحتواء التي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الشيوعية
في عام 1951 ، أدرج مجلس الأمن القومي نظرية الدومينو في تقريره عن الهند الصينية ، بعد أن تنبأ صناع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ، بفكرة أن سقوط الهند الصينية الشيوعية من شأنه أن يؤدي بسرعة إلى انهيار دول أخرى في جنوب شرق آسيا
وفي عام 1954 ، خلال معركة حاسمة بين الشيوعيين والقوات الفرنسية في ديان بيان فو ، قال الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور معبرًا عن نظرية الدومينو في مؤتمر صحفي له
[ انظروا لأحجار الدومينو واطرقوا واحدًا منها، ثم انظروا ماذا سيحدث لآخر حجر دومينو بالتأكيد سيسقط بسرعة أكبر ]
ومن هنا يمكن أن يتفكك النفوذ الشيوعي في الهند الصينية إذا أنقذنا فيتنام الجنوبية من الغزو الشيوعي ، وإلا فإذا تركنا فيتنام للسيطرة الشيوعية فإن ذلك سيؤدي إلى انتصارات شيوعية مماثلة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك لاووس وكمبوديا وتايلاند) وغيرها (الهند ، اليابان ، الفليبين ، إندونيسيا ، وحتى أستراليا ونيوزيلندا) ، فإن العواقب المحتملة لفقدان الهند الصينية لا تحصى بالنسبة للعالم الحر”
أما في ستينيات القرن الماضي ، وتحديدًا على عهد جون كينيدي ظلت نظرية الدومينو قائمة وذلك [ للحفاظ على الفيتناميين الجنوبيين ، كي لا يسقطوا في فخ الشيوعية ] ، (على اعتبار أن سقوط فيتنام الجنوبية سيؤدي إلى سقوط دولاً أخرى في الشيوعية)
بعد اغتيال جون كينيدي ، استخدم الرئيس الأمريكي ليندون جونسون نظرية الدومينو أيضًا ، لتبرير تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في فيتنام ( من بضعة آلاف من الجنود لأكثر من نصف مليون جندي على مدى السنوات الخمس اللاحقة)
في عام 1965 عندما تراجع مفعول هذه النظرية ، تم تدمير الحزب الشيوعي الإندونيسي عبر فرق الموت المدعومة من وكالة المخابرات المركزية فيما عرف [ بالإبادة الجماعية الإندونيسية]
هنا بين مؤيد لنظرية الدومينو ، وبين معارض ، يعتقد أنصار نظرية الدومينو أن جهود احتواء الخطر الشيوعي قد نجحت ، وأدت في نهاية المطاف إلى انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة
كما يرى أنصار نظرية الدومينو أن ما أعطى نظرية الدومينو مصداقيتها ، هو ان الحكومات الشيوعية كانت ترسل المساعدات إلى الثورات الشيوعية في البلدان المجاورة بالمقابل ، وتمدهم بالقوات والإمدادات العسكرية واللوجستية
بينما يرى المعارضون أن اعتماد لاووس وكمبوديا الحكم الشيوعي نتيجة مباشرة لحرب فيتنام ، التي امتدت عبر الحدود من فيتنام إلى هذه البلدان ، والأطماع الإقليمية السياسية لفيتنام، والتي شملت تنظيم مباشرة الأحزاب الشيوعية في كل من البلدين ، فالحكم الشيوعي في لاووس جاء أساسًا إثر غزو صريح من فيتنام وعدم قدرة جيش لاووس الدفاع عن البلاد ، كما أن الحكم الشيوعي في كمبوديا كان له أسباب أكثر تعقيدًا ، ولكن أدت إلى انجرار البلاد إلى حرب مع فيتنام
يرفض مايكل ليند ان يعطي اهمية انظرية الدومينو حيث يقول انه لم يكن لها أي تأثير في الاتحاد السوفياتي ، فقد فشلت إقليميًا ، إلا أنه كانت هناك موجة عالمية للشيوعية حيث أوصلت الشيوعيون للسلطة ، ويرى أن تفسير ذلك بتأثير نظرية الدومينو يعتمد بشكل كبير على هيبة النظرية ، فهذه الثورات نجحت من دون دعم من القوى الشيوعية
ويبدي وزير الدفاع الأمريكي روبيرت ماكنمار رأيه قائلاً
[ إن نظرية الدومينو كانت خطأ كبير ]
ثم أردف قائلاً “أعتقد أننا كنا مخطئين ، أنا لا أعتقد أن فيتنام مهمة للشيوعيين ، لا أعتقد أن خسارتها كانت ستؤدي للسيطرة الشيوعية في آسيا”
في حين يرى المؤرخ الأمريكي ماكس بوت أن استيلاء أعداء الولايات المتحدة الأمريكية على السلطة في دول مثل: موزامبيق، إيران، نيكاراغوا، وغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان كان بسبب فشل الولايات المتحدة الأمريكية في تحرير الرهائن التي خطفتهم الثورة الإيرانية
وفي عام 1977 عزا الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون زعزعة الاستقرار في أميركا لنظام الحكم في السلفادور وتشيلي على أساس نظرية الدومينو، معتبراً أن كوبا الشيوعية وتشيلي الشيوعية من شأنها أن تخلق (شطيرة حمراء) قد تربط أمريكا اللاتينية بالشمالية، وفي ثمانينات القرن الماضي استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية نظرية الدومينو لتبرير تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ريغان في أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي
تذرعت الولايات المتحدة الأمريكية باحتمال تمدد الثورة الإسلامية في إيران خارجها، فشجعت الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) في ثمانينات القرن الماضي ووقفت إلى جانب العراق لمنع تمدد الثورة الإسلامية في إيران إلى دول الخليج العربي ، وخلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 ، اعتمد الأمريكيون على نظرية الدومينو على اعتبار أن نشر الديمقراطية في العراق سيؤدي إلى نشر الديمقراطية والليبرالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط
ختامًا ، إن نظرية الدومينو تعتبر بمثابة عماد السياسة الأمريكية خلال جميع مراحل حروبها الباردة ، سواء كان في السابق ، او في ما سعت له عند ( احداث الربيع العربي) ولو ان قطعًا سُحبت لاستمر مد تهاوي الأنظمة العربية الحاكمة
2023-06-13