نظام التفاهة!د.موفق محادين. نظام التفاهة، كتاب للدكتور الكندي ، الان دونو، وترجمته وقدمته للقارئ العربي ، الدكتورة مشاعل الهاجري، وصدر عن دار السؤال في بيروت 2020. الاطار العام للكتاب ، هو البحث عن اشكال ومظاهر اللعبة وقواعدها غير المكتوبة التي تسعى الى تحويل العالم ، جنوب وشرق الى عالم بلا سيادة وبلا مركز (فرديات واجندة صغيرة متناثرة) تشبه كرات البلياردو. وهو ما يحولها ويستغرقها في انساق من نظام التفاهة والذكاء المتوسط التي تربط النجاحات الفردية بهذا النظام . من مقدمة الكتاب : تسلل التافهون الى كل الحقول وراحوا يتكاثرون ويقضون على كل شغف وذائقة وفكرة كبيرة ورغبة بالمخاطرة. وبحسب المترجمة ، فنظام التفاهة يعني: التسطيح، الاشياء والناس المتشابهون ، العقل التقني بدل العقل النقدي، الفساد ، تسليع الحياة والبشر، الفن الرخيص ، التلوث المرئي والمسموع والبيئي، الرأسمالية والليبرالية المتوحشة، الثقافة الادارية المفرغة من المعنى عبر مفردات مثل التمكين ، الانجازات ، ريادة الاعمال ، الجريمة المنظمة، انحطاط التعليم والجامعات وخضوعها للمراكز المالية ، وكذلك مفردات مثل الحوكمة ، الريادة الشبابية ، القوى البرامجية بدل القوى السياسية، والحملة على الشمولية. وفي التفاصيل اكثر : 1- تستند (اللعبة) في الثقافة الرأسمالية المتوحشة الى تعميم قاموس خاص للتفاهة بما يذكر بكتاب (الحرب على الجبهة الثقافية ، من يدفع للزمار ) الذي انتشر بعد الانهيار السوفياتي ، ومن ذلك تعميم (المصطلح) بدل (المفهوم) والفكر بدل الفلسفة، والمهنة (التقنية الادارية ) بدل الحرفة …الخ وتحت ترويج مفاهيم مثل الحركة (اخضاع الوقائع الاجتماعية لقواعد الملكية الخاصة) وخلط مفهوم الاشتراكية بمفهوم النازية باسم الشمولية. 2- ترويج نظام التفاهة في الحقل الجامعي والاكاديمي، وذلك من خلال تسليع التعليم بل وتسليع الطلاب والخريجين وتسليع الاساتذة عبر استغراقهم في نظام للترقية يهتم بتحسين وضعهم التدريسي والمعاشي اكثر من تطوير الابحاث العلمية التعليمية وفي كتابه (امبراطورية الخيال) يكشف هيدغر كيف تحولت الجامعات الى مصنع(سلع طلابية) للشركات الكبرى.. كما لا يتورع هذا النظام عن وضع الاساتذة المتعاقدين تحت الابتزاز الدائم وبشروط واجور مهينة كما لا حظ بيل ريدينجر في كتابه (خرائب الجامعة) . وبالمحصلة وكما انتبه لذلك اليوت مبكرا (تعليم بلا ثقافة) . ويذهب الكتاب الى اكثر من ذلك عندما يناقش بالتفصيل مقارنة لعالم الاجتماع، افونسو، تشبه نظام التفاهة الجامعي بعمل المافيات لا سيما وانه يكشف قيام العديد من الجامعات الامريكية والكندية بالاستثمار في مناطق غسيل العملة والتهرب من الضرائب مثل جامعات مونتريال وكيبيك وكمبردج واكسفوردوبرنستون وغيرها. 3- تجويف وتجريف العمل السياسي ناهيك بالايديولوجيا والتركيز على الثقافة النفعية الاستهلاكية المرفقة بانماط من التسلية والمسلسلات الفارغة وكرة القدم التي تستهلك الوقت الاكبر من الجمهور . 4- توسيع الاقتصادات الموازية مثل الملاذات الضريبية _للتهرب من الضرائب او لغسيل العملة) والاوفشور (كيانات تجارية او مالية او شركات تابعة في هذه الملاذات) وقد طالت فضائحها مثل فضائح بنما 120 الف طرف بينهم ملكة بريطانيا ورئيس وزراء كولومبيا وشركات ميكروسوفت ونايكي وماكدونالدز واوبر للنقل وعشرات (القوى السياسية) بما فيها الجماعات الارهابية وكذلك العديد من الجامعات ومن الملاذات التي يذكرها : جزر مارشال، الجزر العذراء البريطانية بنما، ليبيريا ، جبل طارق ، البا هاوس، ستغافورة، برمودا، ماكاوا…الخ 5- المواقع والمنابر الاعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي ، التي تلعب ادوارا عديدة ومؤثرة في نظام التفاهة بديلة للصحافة الورقية السابقة، تسويق النفاق واشباه المثقفين مثل ترميز التافهين (تحويل التافهين وتعليقاتهم السخيفة الى رموز) ، وذلك بالاضافة لاستبدال التواصل الاجتماعي بالتواصل الرقمي ، كما يتوقف الكتاب عند دور التلفزيون في تكريس نظام التفاهة سواء من خلال نمط المذيعين والمذيعت وضيوفهم والمشاهير السخفاء . 6- من عناوين نظام التفاهة فنانون وكتاب تحت الطلب وبسبب رغبة السوق والمنتجين – من مظاهر نظام التفاهة ليس فقط العقل التقني مقابل العقل النقدي الغائب، بل والعمل لذي يلغي البشر ويسمم ارواحهم كما لاحظ شابلن في فيلم الازمنة الحديثة ، وذلك من خلال الانظمة الرأسمالية المتداولة المنسوبة الى تايلور وفورد التي عمقت التحول من الحرفة الى المهنة الى تكثيف الحركات وخطوط الانتاج بأقصى درجات الانتاج والربح الوحشية. – بالاضافة لنقده التفريغ السياسي عموما ، يتوقف الكتاب عند البؤس المتواصل للقوى اليسارية التي دخلت في تحولات غريبة من الاشتراكية الى اليسار الاجتماعي الى الديموقراطية الاجتماعية متنازلة عن برنامجها الراديكالي بلا افق وبلا معنى وتحت عناوين مثل الاخوة والعلمانية، ويذكر بقول تاتشر زعيمة المحافظين وسياسات التوحش الليبرالي (ان بلير وتحولاته كان من اعظم انجازاتها ) ومثله فابيو في فرنسا. 7- في مواجهة كل ذلك، يثير الكتاب قضية شديدة الأهمية باتت تطرح بقوة في البلدان الرأسمالية، وهي ان الليبرالية التي يحاول الغرب تسويقها باسم الديموقراطية، تعيش أزمة حقيقية في الغرب نفسه وقد تستدعي (ردة فعل) تشبه الرومانسية التي جاءت ردا على الكلاسيكية التي ترافقت مع التحولات الصناعية البرجوازية.