نصر بطعم الهزيمة .. الاسلام السياسي يصطدم بجدار المدنية ..
ثائر جبار
يقف اوردغان شامخا في نظرة أمل، رأسه مرتفعة قليلا نحو السماء يرتدي بدلة داكنة وقميص ابيض وربطة عنق حمراء وفِي الجهة المقابلة له يقف كأنعكاس له في مرآة مشوشة مرشحه لزعامة اسطنبول بن علي يلدرم مرتديا بدلة داكنة وقميص ابيض وربطة عنق حمراء مع كلمة في الوسط باللون الأحمر شكراً وتحتها كلمة اسطنبول باللون الأسود ، شكرا اسطنبول هذه هي العبارة التي علت هذا البوستر الذي انتشر في حارات وساحات هذه المدينة التي تظم ربع سكان تركيا في استعجال لفرض نصر من جانب اوردغان كان قاب قوسين او ادنى .
تم طبع بضع عشرات الآلاف من هذا البوستر وتم التعاقد مع شركات الإعلانات لوضعه في لوحات الإعلان الضوئية في ساحات اسطنبول وطبعا في صفحات الصحف والمحطات الفظائية في تفاؤل مسبق مطبق مغلق على ان اسطنبول في جيب جبة الامام الأكبر اوردغان .
سوف يدخل هذا البوستر موسوعة غينيز للأرقام القياسية بأعتباره البوستر الأقصر عمرا والأكثر كلفة في تاريخ الحملات الانتخابية ..
الثقة المفرطة او استعجال نصراً قابلا للنقاش ام هو افتراض لرغبة ضنها صاحب مشروع اسلمة تركيا انها أصبحت حقيقة واقعة ؟
قبل بضع سنوات وفِي مباراة النهائي في كأس العالم تقابل الفريق الفرنسي مع الايطالي، بقيت دقيقة على نهاية المباراة وكان الإيطاليون فائزون بفرق هدف واحد فبدأت الاحتفالات في الملعب وفِي كل إيطاليا وبدأ فتح قناتي الشمبانيا وفجأة وضع زيدان هدف التعادل وجرى التمديد وفازت فرنسا ، وقتها خرجت عناوين الصحف الفرنسية بأن الإيطاليون باشروا بالبحث عن سدادات قناتي الشمبانيا بعد هدف التعادل ..
عبرت نتائج الانتخابات البلدية الاخيرة عن حقيقة استمرار تركيا في البحث عن هوية مفقودة منذ ان اضطر الباب العالي على التوقيع على وثيقة الاستسلام لمعاهدة سيڤر عام ١٩٢٠ في فرنسا عقب خسارته الحرب العالمية الاولى واعتلاء اتاتورك سلم المجد لاحقاً منهياً مجد الخلافة الآفل بعد ان استطاع إلغاء اتفاقية سيڤر وعقد معاهدة لوزان عام ١٩٢٣ في فندق بوريڤاج پلاس في لوزان جنوب سويسرا والتي وضعت الحدود الحالية تقريبا لدولة تركيا هذه المعاهدة التي سوف تنتهي بعد اربعة سنوات والتي عبر اوردغان اكثر من مرة انها كانت مجحفة بحق تركيا وانه آن الاوآن لأرجاع “الحق” الى “أصحابه” ..
الاسلام حول الأتراك من قبائل رعاة يجوبون سهوب الأناضول الى أمة تحكم العالم وتسيطر ليس فقط على شعوب اخرى وأراضي اخرى وانما تنحكم بمكة والمدينة وبالشعب الذي خرجت منه راية الاسلام ، كان هذا نصراً لامعاً استمر لقرون اصبح فيه التركي صنوا للرفعة والسيطرة وبناء الدولة الذي استطاع ان يدك اخيرا بقايا حضارة بيزنطة ويحول واحد من ابدع كنائسها ورمزها أيا صوفيا الى اكبر جامع في اراضي الخلافة ..
بين تاريخ إسلامي مجيد وصور زعيم علماني يمنع ان يسمى احد بأسمه اتاتورك، يمكن تلخيص إطار الازمة التركية المستمرة منذ قرن ونيف …
حقق اوردغان محافظ اسطنبول السابق ( ڤالي) باللغة التركية ، والي … حقق انجازا مهما في اخراج تركيا من أزمة اقتصادية أمسكت بتلابيبها قبل ربع قرن تقريبا ، اصبح الاداء الاقتصادي افضل بما لا يقاس في ارتفاع مضطرد في معدلات الناتج المحلي الاجمالي وتحسن لاحق للمستوى المعاشي وارتفاع معدلات التصدير وهكذا بدا ان خطبة اوردغان الشهيرة والتي أدت الى اعتقاله عندما كان معارضا والتي قال فيها بكل بلاغة ( مناراتنا صواريخنا ..قبب جوامعنا دروعنا ..) قد أصبحت حقيقة على ارض الواقع حيث ترافق النمو الاقتصادي مع برنامج طموح لامتلاك التكنلوجيا العسكرية التقليدية لأنتاج الدبابة المتطورة والطائرة الحربية الحديثة والخ .
يقول المثل الإنكليزي ( عندما تبدو الامور بأفضل ما يكون عليك ان تقلق ) ، وهكذا بدأت الديمقراطية الوليدة والتي جائت بأوردغان الى السلطة بالترنح تحت ضربات النظام الذي غير الدستور من وزاري الى رئاسي في اجراء يفصل النصوص على مقاس انتفاخ الخليفة القادم والذي وصل الى القناعة المطلقة بأن تركيا والإسلام والمجد التليد المفترض لهما خالق واحد هو اوردغان وحده لا شريك له ..
جاء ألمرشح العلماني الفائز أكرم امام أوغلو لكي يوقف قطارا مندفعا على سكة بدت معبدة تماما ليصطدم بجدار من الفولاذ .
قبل خمسة سنوات فقط كان يبدو حلم الخلافة قد اصبح قاب قوسين وأقرب عندما سقطت الموصل وشمال سوريا في أيدي وجه العملة الثاني للدولة الاسلامية الموعودة الوجه الملطخ بالدماء وعويل السبايا ضحايا ابو بكر البغدادي، ولكن وكما جرت العادة في مناخ المؤامرات غير الخليفة ابو بكر البغداي دفة قاربه وبدل ان يعلن ولائه السريع للصدر الأعظم الحالي في انقرة اعلن نفسه خليفة للمسلمين داقا بذلك إسفيناً في العلاقات التي بدت انها تسير في الطريق الصحيح .
تركيا البلد الكبير فاصل الشرق عن الغرب والتي كانت اول بلدان الشرق وسعت لتكون حتى ولو آخر بلدان الغرب عبر مسعاها للألتحاق بالاتحاد الأوربي، لازالت تبحث عن هوية ضائعة، لازال الطريق طويلا كي تجد مسارا تتصالح فيه مع تاريخها المجيد ومجدها الغابر ومن يدري فلعل وصول أكرم أمام أوغلو الى منصب والي اسطنبول هو بداية النهاية لحقبة اوردغان وحزبه وأسلامياته ..
2019-04-07