جدلية البقاء و التجديد!
زينب مهدي
إن تمسّك المؤسسات بقائد واحد لفترات طويلة -تتجاوز علمياً من 5 إلى 7 سنوات- يحمل في طياته مخاطر خفية تُهدد استدامة النجاح. التغيير هو ضخ للحياة في شرايين المؤسسة. والقائد الناجح هو من يدرك متى يترجل و يسلم الراية لجيل جديد ليكمل البناء، مؤمناً بأن بقاء الحال من المحال، وأن دوام النجاح مرهون بالتجديد ويمكن تلخيص المبررات العلمية لضرورة التغيير القيادي المستمر في النقاط التالية:
١- تشير الدراسات التنظيمية إلى أن أي مؤسسة تمر بأربع مراحل رئيسية: التأسيس، النمو، الاستقرار، ثم الركود. و هنا يكمن الخطر؛ لكي تتجنب المؤسسة مرحلة “الركود والانحدار”، يجب إحداث صدمة تطويرية إيجابية، وأبرز أدواتها هي تغيير القيادة لتبدأ المؤسسة دورة نمو جديدة بأفكار ورؤى مغايرة.
٢- ظاهرة “العمى المؤسسي” : في واحدة من أشهر تجارب علم النفس الإنساني في جامعة هارفارد، طُلب من الحضور تركيز النظر بدقة على تمرير كرة سلة بين اللاعبين. وأثناء اللعب، دخل شخص يرتدي ملابس غوريلا سوداء كاملة، ووقف في منتصف الملعب، وضرب على صدره، ثم خرج. الصدمة 50% من الحضور لم يروا الغوريلا إطلاقاً! لأن عقولهم تبرمجت على تتبع نمط محدد ومركّز.
هذا ما يحدث تماماً في الإدارة؛ عندما يدير قائد مؤسسة لسنوات يُصاب هو وفريقه بـ “العمى التنظيمي الناتج عن الاعتياد”. يصبح الجميع بارعين في رؤية “الكرة” (العمل اليومي)، لكنهم يعمون تماماً عن رؤية “الغوريلا” (الفرص الثورية الجديدة، أو المخاطر المستقبلية الخفية). التغيير وضخ دماء جديدة هو “الصدمة الكهربائية” الوحيدة التي تعيد إنعاش بصر المؤسسة لترى ما وراء الأنماط المعتادة
٣- المعيار الحقيقي لنجاح أي قائد ليس مدى اعتماد المؤسسة عليه، بل مدى قدرتها على الاستمرار والازدهار في غيابه. القائد الناجح علمياً هو من يصنع “نظاماً مؤسسياً” لا “ديكتاتورية إدارية” ترتبط بشخصه. إذا انهارت المديرية بعد رحيل المدير فهذا يعني فشله في بناء المؤسسة، وإذا نجحت بدونه فهذا أكبر تكريم في حياته
عندما يقرر المدير الترجل وضخ دماء جديدة ، تواجه المؤسسة عادةً موجة عنيفة من مقاومة التغيير . طوال سنوات اعتاد الدماغ على أسلوب المدير، لغته، وطريقة اتخاذه للقرارات، مما يتيح للجهاز العصبي العمل في حالة أمان تام.و لكن بمجرد طرح فكرة التغيير ورحيل هذا المدير، يحدث الآتي داخل الدماغ:
١- في غياب القائد تترجم اللوزة الدماغية (مركز الخوف والاستجابة للأزمات) التغيير القادم على أنه “تهديد للبقاء”. في هذه الحالة، يتوقف العقل التحليلي (القشرة الجبهية) عن العمل العقلاني، ويسيطر شعور الخوف من المجهول.
٢- نظرية العقد النفسي التنظيمي هي مجموعة من التوقعات والالتزامات غير المكتوبة بين الموظف والمؤسسة، والتي تفوق في تأثيرها العقد القانوني الورقي. عنوانها (نحن نمنح الولاء والإنتاج الفائق، مقابل الحصول على بيئة عادلة ومستقرة) عندما يقرر المدير التنحي، يفسر الموظفون هذا القرار بأنه “خرق أحادي الجانب للعقد النفسي”، مما يولد لديهم رد فعل دفاعي غاضب
٣- عالم النفس دانيال كانمان الحائز على جائزة نوبل أثبت في “نظرة الآفاق” حقيقة صادمة: ألم الخسارة في عقل الإنسان يزن ضعف متعة الربح تماماً.
عندما يسمع الموظفون أو المسؤولون بقرار تغيير المدير ، يقوم نظامهم العصبي فوراً بعملية حسابية متغيرة في اللاشعور؛ يضربون “قيمة خسارة المدير الحالي” في 2، ويقسمون “قيمة الأرباح والتطور القادم مع المدير الجديد” على 2. عند طرح فكرة التغيير يركز العقل البشري لا شعورياً على ما سيخسره فوراً (الاستقرار، الإدارة المجربة، الأسلوب المفهوم)، ويعجز عن تقييم المكاسب المستقبلية (الابتكار، التطوير الفكري) لأنها مؤجلة وغير ملموسة. المقاومة هنا هي فخ معرفي حسابي يقع فيه الموظف والمسؤول على حد سواء
٤- أثبتت صور الرنين المغناطيسي للدماغ حالة مذهلة وصادمة؛ عندما يعتاد الموظفون على أسلوب مدير و اسلوب عمل لفترة طويلة تنتقل إدارة العمليات اليومية في أدمغتهم إلى منطقة تُسمى “النويدات القاعدية” هذه المنطقة تعمل بطاقة شبه معدومة، أشبه بنظام “الطيار الآلي”.
بمجرد الإعلان عن تغيير القيادة، يستيقظ الدماغ وينقل العمليات فوراً إلى “القشرة الجبهية” هذه المنطقة تستهلك كميات مرعبة من الجلوكوز والطاقة؛ الدماغ الذي يمثل 2% فقط من وزنك يلتهم فجأة 20% من طاقة جسدك بالكامل!
المفاجأة أن هذا الانتقال المفاجئ ينشط منطقة تُسمى (ACC)، وهي المنطقة المسؤولة في الدماغ عن رصد الأخطاء والمرتبطة بيولوجياً بـ “مراكز الألم العضوي”. يتعامل الدماغ مع هذا التحول باعتباره تهديداً حيوياً مسبباً للألم، مما يدفع الجسد والسلوك تلقائياً للمقاومة كآلية دفاع بيولوجية للبقاء .
إن القيادة الحقيقية ليست وظيفة تدوم، و التغيير لا يعني التخلي بل هو المكافأة الكبرى التي تستحقها المؤسسات الناجحة لتتجدد شرايينها و تقاد بالوعي العلمي لتصنع المستقبل، لا أن تكتفي بحراسة الماضي.
كما إن مقاومة الموظفين والمسؤولين لقرار تنحي المدير هي استجابة طبيعية ولكن، القائد الحقيقي هو من يمتلك الوعي الكافي لعدم الاستسلام لهذه العاطفة .
الاستمرار في نفس المكان لسنوات عديدة يؤدي إلى “تنويم مغناطيسي” لعقول المؤسسة ويمنعها من التطور الرقمي والفكري الذي يفرضه العصر . التغيير ، وإن كان مؤلماً في بدايته، هو الحل الوحيد لإنقاذ المؤسسة من الركود، و فتح مسارات جديدة للإبتكار وصناعة نجاحات أكبر
2026-09-02