كيف غير الخميني فكرة وظيفة إنتظار ظهور المهدي!
محمـد علـي العامـري
قبل أن أبدأ بنشر كتاب ( مقولات في الإستراتيجية الوطنية ) لكبير مستشاري الخميني محمد جواد لاريجاني ، وهو أيضاً مقرر في قسم العلوم السياسية بجامعة طهران .
لابد لي أن أتطرق الى مسألة ذات أهمية كبرى ، ألا وهي : الإنقلاب الفكري في الفقه الشيعي الإثني عشري ، الذي قاده روح الله الخميني ، وبالذات فكرة أو نظرية ” الإنتظار ” حتى ظهور الإمام الغائب ( المهدي المنتظر ، الإمام الثاني عشر ) .
تَحوّل الفكر السياسي الشيعي الإمامي على يد الخميني لم يكن مجرد تعديل هامشي ، بل هو إنقلاباً منهجياً وفقهياً نقل المذهب من ” عصر الإنتظار السلبي ” الى ” عصر التمكين السياسي والمباشرة العملية ” .
مقارنة بين الفكر الشيعي التقليدي ونظرية ولاية الفقيه المطلقة :
أولاً – الفكر الإمامي التقليدي قبل الخميني وحوزة النجف ( الإنتظار والتعطيل ) :
1 – الموقف من الدولة ( الإنتظار والتعطيل ) : إقامة الدولة الإسلامية الكاملة وتطبيق الحدود حكرُ على ألإمام المعصوو ( المهدي ) ، وإن أية راية تُرفع قبل ظهوره هي ” راية ضلالة ” .
2 – دور الفقيه ” الولاية الحسبية المحدودة : الإشراف على الشؤون الضيق ( الأيتام ، الأوقاف ، الفتوى ، والقضاء ) دون التدخل في إدارة الحكم وسياسة الأمة .
3 – مفهوم الإنتظار ” سكوني وترقبي ” : صلاح العالم وتحقق العدل مسؤولية إلهية مرتبطة بظهور المهدي ، والواجب هو الصبر والحفاظ على التراث .
ثانياً – نظرية الخميني : ولاية الفقيه المطلقة ( المباشرة والتمكين )
1 – الموقف من الدولة ” المباشرة والتمكين ” : إقامة الدولة فرض كفائي على الفقهاء الجامعين للشرائط ، لأن الشريعة لا يمكن أن تُعطّل خلال زمن الغيبة .
2 – دور الفقيه ” الولاية المطلقة ” : للفقيه ما للإمام المعصوم من صلاحيات إدارة المجتمع ، وتدبير الدولة ، وتشكيل الحكومة ، والحرب والسلم
3 – مفهوم الإنتظار ” حركي وإعدادي ” : الإنتظار يعني التمهيد لظهور المهدي عبر بناء القوة ، ومواجهة ” الإستكبار العالمي ” ، وتأسيس النموذج السياسي .
الأدوات والآليات التي إعتمدها الخميني لإحداث هذا التحول :
1 – إعادة تفسير النصوص الفقهية :
ركّز الخميني في كتابه الشهير ( الحكومة الإسلامية ) المستند على محاضراته في النجف عام 1970 على فكرة ” عطلة الأحكام ” حيث طرح سؤلاً جوهرياً : هل يُعقل أن الإسلام جاء بأحكام سياسية وإقتصادية وإجتماعية لتُطبق خلال 250 سنة فقط ( عصر الأئمة ) وتُعطل لأكثر من ألف سنة ؟
وكانت إجابته : أن بقاء أحكام الإسلام يقتضي بالضرورة وجود السلطة التي تنفذها .
2 – تقديم مصلحة النظام على الأحكام الأولية :
طور الخميني مفهوم ” المصلحة ” ( مصلحة النظام ) حيث أفتى في سنواته الأخيرة بأن صلاحيات الحكومة الإسلامية تفوق حتى على بعض الأحكام الشرعية ( الحج والصوم ) إذا تعارضت مع بقاء الدولة ، مما أعطى مرونة سياسية هائلة للولي الفقيه تتجاوز الجمود الفقهي التقليدي .
3 – تفكيك إحتكار ” العصمة ” للعمل السياسي :
فَصَل الخميني بين شرط ” العصمة المطلقة ” للقيادة وبين ” العدالة والكفاءة ” . فرغم أن الإمام المهدي هو المعصوم ، إلا أن غيابه لا يسقط الحاجة للعدل والإدارة ، وبذلك أحل ” الفقيه العادل الكفء ” محل الإمام المعصوم في إدارة الشأن العام تمهيداً لظهور الإمام الغائب .
4 – المزج بين الأيديولوجيا والجيوش الشعبية :
لم يكتفِ الخميني بالدليل الفقهي ، بل حوّل الحراك الشعبي الى عملية ” ثورية ” شحنها بلمسة عقائدية تجعل المشاركة في ” الثورة ” وبناء الدولة جهاداً ممهداً لظهور المهدي نفسه .
النتيجة والأثر :
الخميني لم يلغِ عقيدة الإمام المهدي نصاً ، بل أعادة تعريف وظيفتها ، فبدلاً من أن تكون العقيدة سبباً في الإنكفاء والهروب من السياسة ، أصبحت الحافز الأكبر لإنشاء الدولة وتوسيع النفوذ تحت شعار ” التمهيد للظهور ” . وهذا الإنتقال هو الذي مكّن إيران بعد عام 1979 من التحول الى دولة إقليمية تدار بأيديولوجية عابرة للحدود ، إعتماداً على فتوى الخميني عام 1979 ( إن الثورة لن تنحصر داخل حدود إيران ، بل هي ملك لجميع الشعوب الإسلامية المستضعفة ) . وعلى إثر ذلك صدر كتاب ( مقولات في الإستراتيجية الوطنية ) عام 1983 لكبير مستشاري الخميني محمد جواد لاريجاني ، يشرح فيه خطوات تطبيق فتوى الخميني الشهيرة ( تصدير الثورة الإسلامية ) إبتداءً من العراق والتوسع الى بلدان المنطقة بكاملها .
1 أيلول 2028