نبأ مروِّع….. شيء من سيرة الشهيد خالد الديك (أبو خلدون)!*
أبو علاء منصور.
يوم السابع عشر من نيسان/إبريل عام 1981، استضافني وزوجتي قاسم وعائلته في رحلة إلى نهر الأولي في الجنوب اللبناني. جو ربيعي، وصوت خرير مياه النهر يبعث روحًا جميلة، ونحن نُجهّز الشواء ونتبادل أحاديثًا عن تطلّعاتنا. عدنا مساءً مشحونين بالأحلام. في منطقة الأوزاعي جنوب بيروت جاء في إذاعة العدو: “قتلت قوات الأمن مُخربًا مُسلحًا غرب قرية بلعين يدعى…. الديك”. لم يكن الاسم واضحًا، لكنّ الرسالة وصلت: “خالد الديك هو المقصود. إنّه المطارد المسلّح الوحيد في الضفة الغربية”. لم يتفوه أحدنا بكلمة. صمتٌ، وذهولٌ، ونظرات غضب.
تلكأنا في إطلاق يد خالد فسبقنا إليه العدو، إنّه تضارب الأولويات، ومنطق القيادة عن بُعد. ماذا سنكتب في سيرة البطل؟ أنّه قتل عميلًا وأصاب بالرصاص عميلين؟ هذه سيرة لا تليق بخالد. في لحظة الألم تذكّرتُ حواري مع قاسم على طريق ياجوز. جاء في أوراق خالد التي وصلتنا بعد استشهاده: “وأنا في طريقي من مدينة رام الله إلى بلدة بيرزيت قبل مدة، فوجئتُ بحاجز لقوات الاحتلال. طلب جندي هويتي، فسحبتُ أمان قنبلتي وصرختُ في وجهه دون أن ألقيها. فرّ الجندي عاصرًا رأسه بين كفيه وهو يصيح: مُخرّب مُخرّب، انبطح زميلاه على الأرض دون أن يُطلق أيٌ منهما ولو رصاصة واحدة، كبّلت المفاجأة أياديهما، فأطلقتُ ساقيّ للريح”.
لم يسمح نُبلُ خالد له باستخدام هوية صديق. ظلّ يتحرّك دون هوية. حين كنّا نُعلّق على ذلك مُحتجين كان يردّ: “لو فعلتُ ذلك لجلبتُ المعاناة لصاحب الهوية الحقيقي في حال اعتقالي أو استشهادي”. الروح الإنسانية الشفافة خُلقٌ فطريٌ في شخصية الفدائي.
بعد أعوام قالت لي أم جلال وهي تروي حكاية لقائها بالشهيد خالد في الأرض المحتلة: “أذهلني ما سمعته منكم يوم كلفتموني بالنزول للداخل لتقصي أخبار خالد. الرجل الذي كان يجلس على هذه الفرشة قبل ثلاث ليالٍ موجود الآن في الأرض المحتلة! يومها كنتُ في العشرين من عمري، ولم أكن رُزقتُ أطفالًا بعد. حين وصلتُ إلى قريتي كفر نعمة جاءتني شقيقته، طلبتْ إليّ مرافقتها إلى منزلها، هناك فوجئتُ بخالد!”.
في السياق ذاته قالت أم خلدون زوجة الشهيد خالد في حديثي معها بعد ثلاثة عقود على استشهاده: “شو بدك تكتب يا أبا علاء؟ خليني في غُلبي، أرجو أن لا يكون المقبل أسوأ”. ما قالته السيدة تعبير عن مرارة فلسطينية عامة أكثر ممّا هو همٌّ شخصي. انقسام فتحاوي حمساوي ينخر العظم، القيادة في وادٍ والشعب في وادٍ بعيد، والأفق السياسي مسدود. بطالة مستشرية، لا رواتب منتظمة للموظفين، وفساد متجذر. الاستيطان أفعى تلتفُ حول القرى، وقطعان المستوطنين يحرقون الأطفال والبيوت والمساجد، ويعيثون تخريبًا في كروم زيتون الفلاحين ومزارعهم. امتلأ وجه السيدة بضحك أليم وهي تروي حكاية عمرها مع الشهيد: “كان عمري خمسة عشر عامًا عندما تزوجنا، كان خالد يومها عامل قصارة. بعدما أنجبتُ طفلتي كوثر بسبعة عشر يومًا، وهي الثانية بعد خلدون، جاءني قائلًا: ’اعتقلوا محمد إلياس، أنا ذاهب إلى الخليل لأشتري خشبًا’. عند منتصف الليل دهم جنود الاحتلال منزلنا باحثين عنه، بعد أيام عرفتُ أنّه عبر النهر إلى الأردن برفقة الأستاذ كمال. ستة أشهر والتحقتُ به. أسكنني غرفة في جبل الهاشمي الشمالي، كنتُ أغسل ألبسة طفليّ على المغسلة في صينية الشاي. بعد ثلاثة أشهر اعتُقل هو وكمال وهارون معك في الأردن”.
أضافت أم خلدون: “عام 1980 فوجئتُ بدخوله إلى الأرض المحتلة. قرّرتُ العودة للداخل، كنتُ أعرف أنّ في ذلك ثغرة أمنية، ربما أُصبحُ فخًا لو انكشف سرُّ تردّده إلى البيت. حاولتم ثنيي لكنّي كنتُ مصممة وغلبتني العاطفة. التقيته في منزل في قرية مزارع النوباني، ولما استقر حالي في قريتنا بعد مدة راح يتردّد إلينا سرًا. كان يأتي بعد انتصاف الليل ويغادر عند الفجر. في إحدى الليالي استيقظ خلدون على صوته وهو يتسلل بسلاحه خارجًا من المنزل، ولمّا كان الطفل لا يعرف والده فقد نهض باكيًا: ’سأقول لوالدي أنّك تستقبلين جنودًا إسرائيليين’، بماذا أرُد؟ ذات مرة استيقظ الطفل وأنا خارجة من البيت بصحن ملوخية وملعقة. سألني: ’لمن الأكل؟’. قلتُ: ’للكلب’. نظر إليّ بابتسامة متواطئة: ’وهل يأكل الكلب بملعقة؟’. حين كان يحضر خالد إلى البيت كان يكتفي باختلاس نظرات سريعة إلى وجوه أطفاله الغارقين في النوم. في مثل هذه الأحوال على المرء أن يتخلّى عن قلبه، لا مجال للعاطفة”.
فاضت دموع أم خلدون: “يوم السابع عشر من شهر نيسان/إبريل عام 1981، كنتُ على موعد مع خالد في كرم زيتون بمنطقة الطيرة من ضواحي رام الله، كان موعدنا عند التاسعة صباحًا. ارتعبتُ وقد فوجئتُ برجل يقترب من المكان، انسحبتُ عائدة إلى القرية، حين وصلتُ هدّني نبأ استشهاد خالد، لم يكن لي نصيب أن أودعه. بعد استشهاده بمدة وضعتُ طفلتي فداء التي حرصتُ على إخفاء حملي بها كي لا يتسبب ذلك بكشف سرّ لقائي به”. فاض دمع السيدة مجددًا: “الأقسى بالنسبة لي وقع بعد ثلاثة عشر عامًا، يوم استشهد ابني إبراهيم في الانتفاضة الأولى، كان في الرابعة عشر من عمره، لفظ أنفاسه في حضني ونحن ذاهبون به إلى مستشفى رام الله بعد إصابته بطلق ناري إسرائيلي، اعترض الاحتلال طريقنا فعدنا به شهيدًا. ما زالتْ رائحة دمه تعبقُ بأنفي كلما مررتُ على تلك الذكرى، أو عبرتُ ذلك المكان. قدر فلسطيني قاسٍ، شهيد وابن شهيد، وعلينا الصبر”.
قال خلدون الذي شاركني الجلسة مع والدته: “لم يعش والدي معنا حياة اجتماعية. لا أذكر أنّه اصطحبني يومًا إلى السوق، أو اشترى لي لعبة، أو أنّه حملني على ظهره كما أفعل مع أولادي، ولا توجد صورة تجمعنا كعائلة. شاهدتُ هيكله العظمي وجمجمته حين أعاد الاحتلال رفاته من مقابر الأرقام قبل أعوام. هذه هي الصورة المتبقية لوالدي في ذهني”. أضاف وهو يُحدّق في عينيّ والدته: “تقول الوالدة إنّها اصطحبتني يومًا لزيارته في سجن المحطة بعمّان، وإنّني قلتُ لها يومها: ’لماذا لم يعطني والدي قرشًا؟’. وحين غادرنا سألتها: ’لماذا لا يذهب معنا؟’. ما استقر في ذاكرتي عن والدي، صور جنود الاحتلال يدهمون بيتنا بحثًا عنه. كنّا نستيقظ فزعين ونحن نتعلّق بأطراف ثياب أمنا المرعوبة”.
قال عارف أبو حلو (أبو حسن) وهو يستعيد ذكرياته مع خالد: “جاء خالد إلى منزلنا في قرية حزما بحجة شراء فرس. وقتها كنتُ في المَحجر، استقبلته أم حسن وأكرمته. انشرح صدري حين عدتُ إلى المنزل فتلفظ بكلمة السرّ. تعاظم سروري حين عرفتُ أنّه مطارد. أراد أن أُوفّر له نقطة ارتكاز في المنطقة، وافق ذلك حلمًا اختزنته طويلًا في صدري، فلطالما تمنّيتُ أن نقيم قاعدة فدائيين في منطقة عين فارة شرقي القرية. بقي خالد عندنا لمدة أسبوعين متنكرًا بهيئة راعي أغنام. كان ينام في البيت السفلي (الراوية)، وأحيانًا في الخلاء”.
خنقت عارف الدموع: “في آخر لقاء مع خالد اتفقنا على أن نلتقي في كرم زيتون بمنطقة الطيرة غرب رام الله. ذهبتُ بحسب الموعد، فزعتُ حين انسلت امرأة من خلف شجرة زيتون في المكان المحدّد للقاء. ما الذي أتى بها؟ من هي؟ اكتشفتُ لاحقًا أنّها زوجة خالد. كانت الأخرى على موعد معه، لكنّه كان قد استشهد في ذلك اليوم. لم يكن لكلينا نصيب في رؤيته”. استدرك: “قبل شهرين من استشهاده التقيته على عَجَل في بيتنا. كدتُ أضحك حزنًا حين جاءني أحد الجيران بصُرّة وسألني: ’أين القصّاد؟’. قلت: ’أخذ نصيبه ومشى’. ظنّ جارنا أنّ خالد متسولًا، فأتى له بنصيب من عنده”.
مع تحيات أبو علاء منصور
23\6\2020
من كتابي (رحلة لم تكتمل)