من يملك قرار وقف الحرب؟
د. محمد السعيد إدريس
يبدو أن تجاوز الخطوط الحمراء فى الحرب المتفجرة حاليًا بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكيان الاحتلال الإسرائيلى مع إيران سيكون عاملًا أساسيًا فى حسم قريب لسؤاليّ: متى ستنتهى الحرب؟ وكيف ستنتهي؟ من أبرز تلك الخطوط الحمراء فرض إيران حظر المرور من مضيق هرمز للسفن إلا بإذن مسبق من السلطات الإيرانية، الأمر الذى كانت له تداعياته السريعة والهائلة على ارتفاع أسعار النفط والغاز، للدرجة التى باتت ضاغطة على الأمريكيين أولًا ومعهم كل شعوب العالم، خاصة فى أوروبا وعلى جعل «سلاسل الإمداد» فى مهب الريح، حيث امتدت آثار إغلاق مضيق هرمز إلى “سلاسل الإمداد” التى هى عصب التجارة العالمية، ومن أبرز تلك التجاوزات أيضًا تطور الحرب لتطال البنية التحتية لإنتاج الطاقة، عندما هاجمت إسرائيل «حقل بارس» الإيرانى، الذى هو أهم حقول إنتاج الغاز الإيرانية، فردت إيران بقصف البنية التحتية لإنتاج الغاز فى قطر، وتدمير عصب الاقتصاد الإسرائيلى، خاصة المنشآت شديدة الحيوية فى «خليج حيفا»، وفى القلب منها المنشآت البتروكيماوية. وتزامن ذلك مع قيام قوات الحرس الثورى الإيرانى بإشعال النار فى أكبر وأهم حاملة طائرات أمريكية «جيرالد فورد» بعد إعطاب نظيرتها «يو اس اس ابراهام لينكولن»، واضطرار الأمريكيين إلى سحبها خارج الشرق الأوسط، ثم إصابة طائرة شبح أمريكية من طراز «إف35-» فى تطور شديد الخطورة والدلالة، يؤكد أن إيران قادرة على تدمير أحدث وأهم رموز القوة الأمريكية الضاربة والأكثر تطورًا تكنولوجيًا، ثم تلا ذلك قصف إيران لقاعدة «دييجو جارسيا» الأمريكية – البريطانية الواقعة فى قلب المحيط الهندى بصاروخين، رغم أن هذه الجزيرة تبعد عن إيران بمسافة لا تقل عن 4000 كيلو متر.
تجاوز الخطوط الحمراء تزامن مع حالة من «الإنهاك» أصابت كل الأطراف المتحاربة، وأسست لقاعدة من الاستعداد لإنعاش الجهود الدبلوماسية لتجديد الوساطة للتوصل إلى تسوية دبلوماسية تنهى الحرب، وكانت جولة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كل من الإمارات وقطر والسعودية والبحرين، مؤشرًا مهما يؤكد أن الأطراف العربية باتت هى الأخرى حريصة على فرض نهاية سريعة للحرب بعد أن تفاقمت المخاطر.
الدول العربية الخليجية تدرك أنها لم تكن طرفًا شريكًا فى قرار شن الحرب على إيران، وأن هذه الحرب «المفروضة» جعلتها طرفًا شريكًا فى تحمل الخسائر والأعباء. هذه الدول هى أول من يسعى الآن لوقف الحرب، ويشاركها فى هذا المسعى كل دول وشعوب العالم المتضررة من تداعيات هذه الحرب على أسعار الطاقة وأسعار الشحن ورفع أسعار السلع والمنتجات.
الجديد الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية، أضحت هى الأخرى طرفًا فى هذا المسعى، لأنها المعنية بدفع أثمان التكاليف الباهظة لتلك الحرب، لدرجة وصلت إلى مطالبة وزارة الحرب الأمريكية الكونجرس بـ 200 مليار دولار، لتلبية الاحتياجات العسكرية الجديدة للحرب.
ما نقلته «القناة 12-» العبرية (السبت 2026/3/21) عن مصادر موثوقة فى مجلس الوزراء الإسرائيلى تحذر من وجود ضغوط شديدة تمارس على الرئيس الأمريكى لوقف الحرب على إيران، يؤكد جدية هذا الاستنتاج. هذه القناة العبرية حذرت، وعلى لسان هذا المسئول الإسرائيلى من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترامب الحرب. هذا التحذير يؤكد حقيقتين، الأولى أن إسرائيل هى فعلًا من ورط الرئيس الأمريكى فى الحرب على إيران، وأن الرئيس الأمريكى عاجز عن الإجابة عن السؤال الحاسم: لماذا ذهب إلى هذه الحرب، على النحو الذى نشره السيناتور الديمقراطى «كريستوفر ميرفي» على حسابه على منصة «إكس» وقال فيه إن «جميع الإحاطات المتعلقة بالحرب على إيران تُعقد بشكل مغلق» وأن السبب فى ذلك هو أن «ترامب لا يستطيع الدفاع عن هذه الحرب علنًا». والثانية هى أن إسرائيل وليس الولايات المتحدة، هى صاحبة المصلحة فى استمرار الحرب على إيران على نفقة الميزانية الأمريكية، إلى أن تصل إلى قناعة مؤكدة بتدمير كل القدرات النووية والصاروخية والاستراتيجية الإيرانية، وأن إيران سوف تخرج حتمًا من سباق توازن القوى الإقليمى بعد الحرب، ولن تكون قادرة مستقبلًا على منافسة إسرائيل فى طموحها لفرض هيمنتها المنفردة على إقليم الشرق الأوسط.
التحذير لإسرائيل من وقف الحرب قبل الموعد الذى يمكنها من تحقيق هذا الهدف هم مشترك لكل القوى الصهيونية داخل الولايات المتحدة، وفى أوروبا على النحو الذى كشفه الوزير البريطانى السابق «جاكوب ريس – موج» فى تعليق كتبه قال فيه إنه «إذا تمكنت إيران من تجاوز هذه الحرب (أى الخروج منها غير منكسرة) فسيكون ذلك ضربة هائلة لسلطة الغرب، سواء الأخلاقية أو القوة الحقيقية للغرب.. لذلك يجب أن تستمر هذه الحرب حتى يدمر النظام الإيراني».
اللوبى الصهيونى داخل الإدارة الأمريكية وداخل الكونجرس يقول أكثر من ذلك. فإذا كان السيناتور الجمهورى شديد التعصب فى الانحياز لإسرائيل ليندى سى جراهام قد عاتب الدول الخليجية بمرارة، لعدم انخراطها فى الحرب على إيران بجانب الولايات المتحدة، وهددها بوقف التعاقدات العسكرية معها، فإن وزير الحرب «بيت هيجسيث» أراد أن تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران «حربًا دينية – صليبية».
الحوار الذى أجراه الإعلامى الأمريكى البارز «تاكر كارلسون» مع «جو كينت» مدير مكافحة الإرهاب فى الإدارة الإمريكية بعد استقالته رفضًا للحرب على إيران أكدت هذه المعانى كلها. حيث أكد أن الرئيس ترامب «خدع الأمريكيين» وأن «اللوبى الإسرائيلى هو من يدير العمليات فى وزارة الحرب» (البنتاجون)، وأن الحرب على إيران «ليست حرب أمريكا، بل هى حرب نيتانياهو وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف».
السؤال: من بيده قرار وقف الحرب؟ وماذا إذا تصادمت المصالح الأمريكية مع الأطماع الإسرائيلية؟.
2026-03-25