من هنا نبدأ…!
د. محمد السعيد إدريس
قديماً قالوا “إن لم يكن لك مشروعك فإنك ستكون حتماً جزءاً من مشاريع الآخرين” . أتذكر هذا القول وأنا أتابع تعليقات عدد من السادة القراء على ما طرحته من تساؤلات تعتبر استخلاصات لما يحدث الآن من صراعات على قمة النظام العالمى بين الولايات المتحدة (ومن خلفها حلف الأطلسى) وروسيا والصين وبالذات السؤال: نتحرر أم نظل تابعين؟
الإجماع الذى وجدته فى الإجابة على هذا السؤال أكدت ضرورة أن نتحرر ونتخلص من التبعية كشف عن حالة وطنية شديدة الأهمية تموج فى مصر الآن وكثير من الدول العربية والإسلامية حالة تواقة لإمتلاكها “مشروعها الوطنى”، وهذا منطلق مهم لإمتلاك أولى خطوات النجاح وهو “الوعى بالحالة التى نعيشها” والتى تعتبر محصلة تفاعلات قصور داخلى وعقبات خارجية، والتى سبق أن شغلت الكثير من مفكرى النهضة باختلاف مدارسهم الفكرية من دينية (إسلامية) إلى ليبرالية إلى يسارية للإجابة على سؤال: كيف ننهض؟ ومن أين نبدأ؟
وإذا كانت كل مدرسة من هذه المدارس قد اجتهدت فى تقديم اجتهاداتها إلا أنها انقسمت بين تيارين؛ الأول أعطى الأولوية لتشخيص ما أسموه بـ “أسباب الانحطاط” أو التخلف، والثانى أعطى الأولوية لنماذج النهوض وهنا وجدت الليبرالية فرصاً مواتية للترويج فى عصر كانت الأمة غارقة فيه حتى أذنيها فى تداعيات “الحالة الاستعمارية”، وكانت أبرز تجليات الليبرالية فى ما عرف بـ “نماذج التحديث” الغربية ومساراتها التطورية، التى كانت ترمى فى واقع الأمر إلى تكريس “التبعية” للغرب الرأسمالى صاحب المشروع الاستعمارى، والالتزام بتقليد مسارات تطوره، ما يعنى التأكيد على أن النهوض لن يحدث إلا من خلال الالتزام بالنموذج الغربى فى التحديث أولاً، ثم بإتباع مسارات تحقيقه خطوة بعد أخرى ثانياً. أما التيارات اليسارية فقد اجتهدت فى الدعوة للتجربة الاشتراكية فى النهوض دون امتلاك قدرات نقدية لتلك التجربة سواء فى عهد تألقها أو حتى بعد سقوطها .
الآن الأمر يبدو أكثر تعقيداً فى ظل معادلات الصراع الدولية الراهنة، فالولايات المتحدة الأمريكية مدعومة بالدول الصناعية الكبرى السبع وبكل أدواتها المؤسسية الدولية الاقتصادية والمالية (البنك الدولى وصندوق النقد الدولى) والتكنولوجية تدافع بكل قوة عن أيديولوجية العولمة الأمريكية التى تمثل ذروة التحالف بين الرأسمالية – الليبرالية الجديدة وبين التكنولوجيا، فى محاولة لتكريس خضوع العالم لهذه الأيديولوجية المعولمة وما تطرحه من نماذج ثقافية وأخلاقية وقيمية تسعى إلى فرضها وتعميمها على كل العالم.
على الجانب الآخر تجتهد كل من روسيا والصين من أجل إسقاط النظام العالمى الراهن أحادى القطبية الذى تسيطر عليه الولايات المتحدة، ومن أجل الدعوة إلى تأسيس نظام عالمى بديل متعدد الأقطاب، حتماً ستكون له أيضاً منظوماته الفكرية والقيمية على النحو الذى يجتهد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين للترويج له الآن .
فإذا كان مدير دائرة التخطيط الخارجى بوزارة الخارجية الروسية ألكسي دروبينين قد أكد على أن “عصر التعاون (الروسى) مع الغرب قد انتهى” وأوضح أن “جوهر الشروع فى العملية الأكثر مصيرية يتركز حول تشكيل نظام عالمى متعدد الأقطاب، يتعلق بالانتقال من النزعة الأنانية الأمريكية الليبرالية العالمية إلى عالم متعدد الأقطاب حقاً، قائم على السيادة الحقيقية للشعوب والحضارات”. فإن الرئيس الروسى حرص فى أكثر من مناسبة على التأكيد على أمرين؛ أولهما أن “النموذج الحضارى الغربى” لم يعد قادراً على قيادة العالم لأنه فى طريقه إلى “الإفلاس” وثانيهما أن ذلك “النموذج الحضارى” أو ما أسماه بـ “حضارة المليار الذهبى” أى المليار شخص الذين ينتمون إلى العالم الغربى، لم يحقق نجاحاته بإبداعاته ونجاحاته فقط، أو “لم يصبح ذهبياً” بمحض الصدفة، ولكنه حقق كل ذلك من خلال استراتيجية “نهب ثروات الشعوب” فى قارات العالم المختلفة، وبالتحديد “بسبب سرقة الشعوب الأخرى فى آسيا وأفريقيا”. وتوظيفاً لمقولة الرئيس بوتين بأن “الغرب لا يمكنه ببساطة أن يقدم للعالم نموذجاً للمستقبل” دخل سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسى فى سجال استشراف المستقبل العالمى والنيل من النموذج الحضارى الغربى وتهيئة العالم للتطلع للنموذج الحضارى البديل الذى لم تتحدد معالمه بعد.
هاجم لافروف منظومة القيم الغربية، وقال أنه “لا يستطيع تفسير الترويج الغربى لـ (القيم المثلية والتحول الجنسى)” ، وأجاب بأنه “ربما يكون السبب هو أن (المليار الذهبى) يقضى بتقليص عدد البشر على كوكب الأرض، لأن الموارد لا تكفى جميع الناس”، ما يعنى أن الغرب من وجهة نظره مازال ممعناً فى استراتيجية “نهب ثروات الشعوب” وأن يختص بها لنفسه، وأنه يريد بالدعوة لـ “الشذوذ الجنسى والزواج المثلى تقليص البشرية على النحو الذى تقوم به استراتيجية نشر الأوبئة والفيروسات القاتلة فى العالم كنوع من أنواع الانتقام من العالم”.
مثل هذا الصراع يفاقم من معضلة شعوب العالم الثالث، وفى القلب منها الأمة العربية – الإسلامية التى ستجد نفسها أمام خيارين؛ إما بناء نموذجها الحضارى المستقل وإما الانسحاق فى أتون الصراع بين الحضارات والثقافات . وإذا كان اختيارنا هو بناء نموذجنا الحضارى فعلينا أن ننشغل بالإجابة على السؤال: من أين نبدأ ؟ وتحديد نقطة الانطلاق، وهنا يمكننا الاستعانة افتراضياً بالنموذج “الصوفى” فى “لارتقاء الإيمانى” الذى يقول بـ “التخلية قبل التحلية” أى البدء بتنقية الذات من كل أسباب الانحطاط أو التخلف ثم استتباع ذلك بعملية الملء بالقيم والأفكار التى تحقق النهوض، أى الهدم قبل البناء، وهذا يستلزم القيام بتشخيص دقيق لإرث التخلف وهنا نجدنا أمام إبداعية لمفكرين كبيرين لهما إسهاماتهما المرموقة فى هذا الميدان؛ الأول هو المفكر الجزائرى مالك بن نبى والآخر هو المفكر الإيرانى الدكتور على شريعتى
فقد أجمل مالك بن نبى تشخيص المعوقات الداخلية والخارجية للنهضة بعاملين؛ الأول هو “الاستعمار” كظاهرة نهب وتخلف وتبعية والثانى هو “القابلية للاستعمار” أى القابلية الذاتية للشعوب كى تبقى مستعمرة وخاضعة للاستعمار. أما على شريعتى فقد اتفق مع مالك بن نبى فى أن معوقات النهضة ترجع لتفاعل عوامل داخلية وأخرى خارجية، وأن “الاستعمار” هو العامل الخارجى لتكريس التخلف والانحطاط للأمم والشعوب لكنه تحدث عن ما أسماه بـ “الاستحمار” ويعنى به ما أراده مالك بن نبى من “القابلية للاستعمار”؛ أى الا ستعداد الطبيعى للشعوب للخضوع والخنوع والانزواء وهو ما أسماه بـ “الاستحمار”.
وإذا كان الاستعمار التقليدى قد انتهى ويحل محله الآن أنواع جديدة أكثر شراسة خاصة الليبرالية الجديدة المعولمة التى تمعن فى فرض الهيمنة على الشعوب، فإن القابلية للاستعمار أو للاستحمار تزداد تأصيلاً فى عالمنا الراهن فى أشكال متنوعة من الاستلاب الحضارى واستلاب الذات والاغتراب القيمى واللغوى وتدنى الهوية الوطنية وغيرها من الظواهر الخطيرة التى نعيش مكبلين بها والتى تحدد لنا بوضوح شديد من أين يجب أن نبدأ .
mohamed.alsaid.idries@gmail.com
جريدة الأهرام
9/8/2022