من فقه القبول إلى هندسة النفي: التفاوض في ظل الإبادة !
بقلم خالد صالح عطية
لطالما جرى تقديم التفاوض كقيمة عليا في السياسة الدولية، بوصفه مظهرًا من مظاهر العقلانية الحديثة، وأداة لإنهاء النزاعات بين الشعوب، إلا أن هذه الصورة المتخيلة تبدأ بالانهيار حين تُختبر في سياق استعماري–استيطاني، حيث لا يُدار التفاوض بين كيانين متكافئين في القوة والاعتراف، بل بين مشروع استيطاني يسعى إلى تثبيت نفيه للآخر، وضحية يُطلب منها أن تقرّ بشرعية جلادها. في الحالة الفلسطينية–الإسرائيلية، لم يكن التفاوض يومًا اعترافًا متبادلاً، بل ممارسة قسرية تعيد إنتاج خضوع الفلسطيني، وتؤطره ضمن شروط القوة الصهيونية لا ضمن منظومة حقوق متساوية.
فمنذ انطلاق ما يسمى “العملية السلمية”، لم تُطرح المفاوضات بوصفها أداة لتحرير الفلسطيني أو لاسترداد حقوقه المصادرة، بل كوسيلة لإعادة صياغة وجوده ضمن ما يُسمح به في إطار المنظومة الاستعمارية. وقد ظهر ذلك بوضوح حين تحوّلت المطالب الإسرائيلية إلى شروط وجود: الاعتراف بـ”يهودية الدولة”، التخلي عن حق العودة، إنهاء المقاومة، شطب الذاكرة الوطنية، والتطبيع مع السجان. كل ذلك جرى تمريره ضمن ما يُسمى “خطاب الواقعية السياسية”، الذي يطالب الفلسطيني بأن يتحلى “بالعقلانية” ويقبل بما هو ممكن، لا بما هو عادل.
والخطير في هذا المنطق التفاوضي أنه لا يعمل كبوابة للتسوية، بل كأداة لنفي الآخر وإعادة هندسته داخل شروط القامع. فالمفاوضات لا تستند إلى أساس حقوقي، بل تُبنى على سردية استعمارية ترى الفلسطيني مجرد طارئ يجب احتواؤه أو تدجينه أو ردعه، كما في “خطة الحسم” التي عبّر عنها سموترتش صراحة. ولعلّ جوهر هذه الرؤية يتجلى في لحظة التفاوض نفسها، حين يُطلب من الفلسطيني أن يعترف بحق الآخر في الحياة والوجود، بينما لا يُمنح هو أي اعتراف متبادل بهويته، أو نكبته، أو مقاومته، أو حتى بشريّته في ظل الإبادة. وما جرى – ويجري – في غزة هو المثال الأشدّ فظاعة على هذا التوظيف الوحشي للتفاوض.
ففي لحظة الإبادة المفتوحة، لا يُطرح التفاوض كأداة إنقاذ للضحايا، بل كوسيلة “لإدارة” المجزرة تحت شعارات إنسانية مُفرغة من المضمون. يتحدثون عن “وقف إطلاق نار” لا باعتباره وقفًا للقتل، بل كهدنة تقنية تُستخدم لترتيب المسرح لصالح القاتل، أو لتمرير شروطه السياسية. ويجري الترويج لذلك ضمن خطاب دولي مفخخ، يُظهر القاتل كشريك سلام، ويعامل الضحية كطرف مشاغب يحتاج إلى إعادة ضبط. حتى الموت الجماعي يُساوَم عليه، وحتى صرخات الجوعى تُترجم في أروقة التفاوض إلى أرقام وصيغ تبادل، لا إلى اعتراف بجريمة مستمرة.
في مثل هذا السياق، يُطرح سؤال ملح: ما العمل؟ ماذا يستطيع الفلسطيني أن يفعل وقد تجاوزت المجازر في غزة عشرين شهرًا من القتل والتجويع والحصار والخذلان؟ أليس التفاوض على هدنة أهون من الاستمرار في الإبادة؟ أليس إنقاذ الحياة أولوية؟ الإجابة على هذا السؤال لا تبدأ من الرفض العاطفي ولا من القبول الاستسلامي، بل من تحليل دقيق للطبقات التي يشتغل فيها فعل التفاوض ذاته.
فمن ناحية أخلاقية، لا أحد يمكنه أن يزايد على أولوية وقف القتل. الحياة في ظل المجزرة ليست شعارًا، بل صرخة إنسانية تنبع من تحت الركام. غير أن هذه الصرخة لا يجب أن تُستثمر سياسيًا لتجريد الضحية من شروط بقائها كفاعل، ولا لتبرير التنازلات التي تؤسس لمجزرة قادمة. إنّ قبول الفلسطينيين بهدنة أو تفاوض في ظل واقع معقد ومرير، لا يُعبّر بالضرورة عن ترف أو ضعف، بل قد يكون في لحظاتٍ معيّنة الخيار الوحيد لإنقاذ ما تبقى من حياة. مع ذلك، فإن التحدي الحقيقي هو في إيجاد معادلة تُنقذ الأرواح دون أن تتنازل عن الحق في الوجود والكرامة. ربما لا نمتلك رفاهية فرض الشروط، لكننا نمتلك القدرة على الرفض الأخلاقيّ الواعي لكل تفاوضٍ يريد تحويل نجاتنا إلى ثمن ندفعه من هويتنا وكرامتنا. في زمن الدم والتواطؤ الدولي، ليس المطلوب منا أن نختار بين الموت أو الذل، بل أن نخلق مساحة – مهما كانت ضيقة – للمناورة، بحيث لا يصبح قبولنا بوقف المجزرة بابًا جديدًا لتكريس نفي وجودنا، بل فعلًا يعيد تثبيت حقنا في الحياة والكرامة .
لكن المأزق الحالي يتجاوز هذا البُعد الأخلاقي والسياسي، إذ أنّ من يُفاوض اليوم هم تحديدًا حركات المقاومة الإسلامية، وعلى رأسها حماس. وهنا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا: إذ يتعرّض الفاعل المقاوم لعملية شيطنة ممنهجة، لا من العدو فقط، بل من محيط إقليمي ودولي يريد تصوير هذه الحركات كمصدر للإبادة الجارية، لا كضحية لها. هذا الخلط المتعمّد بين الفعل المقاوم وهوية الفاعل، يُفقد المقاومة الفلسطينية عمقها التاريخي، ويجرّدها من الشرعية الإنسانية، ويضع المفاوض الفلسطيني – في هذه الحالة – في مأزق مضاعف: عليه أن يفاوض كمتهم لا كضحية، وأن يثبت باستمرار أنّ هويته ليست العائق أمام السلام.
هذا المأزق التاريخي يتطلب من المقاومة إدراكًا عميقًا لطبيعة اللعبة السياسية القائمة. فالتفاوض لا يجب أن يتحول إلى وسيلة للتبرير أو التبرئة، ولا يجب أن يقبل بالخطاب الذي يُحمّله جريمة الاحتلال. بدلًا من ذلك، ينبغي أن يُطرح التفاوض كأداة واضحة وشفافة: لإنقاذ الناس لا لاسترضاء القوى الدولية، لرفع الحصار لا للحصول على شهادة حسن سلوك. وأن يكون واضحًا في أي خطاب تفاوضي أنّ المشكلة هي الإبادة والاحتلال، وليست هوية من يُقاوم.
استراتيجيًا، من الخطير أن يندفع الفلسطينيون – تحت ضغط المجازر – نحو تفاوض غير مشروط أو بلا أفق سياسي واضح، أو تحت ابتزاز خطاب الإرهاب. والمطلوب اليوم من النخبة الفلسطينية والعربية والدولية أن تفصل بوضوح بين نقد الأداء السياسي، وتجريم الهوية المقاومة. وأن تعيد التأكيد على أنّ المقاومة فعل مشروع في وجه الاحتلال، وأن الفاعل المقاوم لا يُحاسَب على وجوده وهويته، بل على قدرته على إدارة مشروعه التحرري بوضوح أخلاقي وسياسي.
في النهاية، التفاوض ليس مجرد أداة تقنية، بل خطاب سياسي رمزي. وإذا لم تُفكك بنيته، ولم تُفهم شروطه، ولم تُعاد كتابته من موقع القوّة الأخلاقية والتاريخية، فسنبقى نُفاوض كي نُحتوى، لا كي نتحرر. وفي زمن المجازر، تصبح هذه المعركة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: أن نحمي أرواحنا، دون أن نفرّط بكرامتنا. أن ننقذ الإنسان، دون أن نمنح المجرم مشروعية. أن نوقف الإبادة، دون أن نوقّع على صكّ النسيان .
2025-07-09
