حسام حسن.. رسالة إلى الدنيا الصامتة!
مهدى مصطفى
فى لحظة مباغتة تنفجر الحقيقة، تأتى من حيث لا يتوقعها أصحاب الباطل، والحقيقة اندفعت على لسان الكابتن حسام حسن فى المكان والزمان المناسبين، كانت مفاجأة أكبر من أن يتحملها العالم الصامت.
يقال إن النار من مستصغر الشرر، فهو مجرد لاعب كرة قدم مصرى عظيم، جاء بالبطولات، ووضع مصر على خريطة الكرة العالمية، وقاتل بشرف، وهذا يكفى.
لكنه، بالفطرة، معجون بمصرية نيلية نابعة من تحدى التاريخ، قرر أن يترك أثرا فى كأس العالم، ليستمع إليه مليارات البشر، حين تحدث عن عار الصمت العالمى تجاه الإبادة الجماعية التى ترتكبها جماعة الاستيطان فى فلسطين، وكيف أن العالم المتحضر يهرع لموت حيوان، بينما يشاهد المجزرة البشرية، وكأن الأمر مجرد تمرين على القتل.
حسام حسن قالها: الصمت على الإبادة عار، والعار الأكبر على الذين هاجموه، فقد كشفوا أنفسهم، ولعله، دون أن يقصد، جعلنا فى حالة استيقاظ، إذ كشف أن بيننا جماعة من المستوطنين، فقدوا الحس الإنسانى، ولم يقدروا على كتمان أدوارهم، وتلك فائدة قصوى للأمة.
تذكرت الذين يلطمون ويشقون الجيوب فى لحظات التحدى، كأنهم يخافون على مصيرنا، فاكتشفنا أنهم مجرد جسور القتلة إلى بلادنا، وقد عرفناهم بدقة، فشكرا لحسام حسن، لقد باغتهم جميعا، وترك لنا آثارهم وبصماتهم المريبة.
كان رد فعل أهل النيل حاسما على كل من جعل نفسه مزمارا يعزفه القتلة، ودافعوا بشجاعة عن موقف الرجل، وأنصفوه تاريخيا، وسوف تسجل كلماته فى التاريخ، وتتردد صداها ما طال الزمان.
كتبت من قبل متسائلا: هل تتخلى واشنطن عن حارس المزرعة؟ وعدت وكررت السؤال بعد الانشقاق الكبير بين واشنطن وتل أبيب فى أكثر من محطة، وإعلان قادة وسياسيين هذا المنحى الجديد.
لعلنى كنت أقرأ بعناية دورة التاريخ، فالدول الكبرى لا تهجر أدواتها فجأة، لكنها تفعل عندما تشعر بأن الكلفة أصبحت أعلى من العائد، فتبدأ فى إعادة تعريف العلاقة على أسس جديدة.
بدأت إسرائيل تفقد شيئا أكثر خطورة: تفقد الشرعية الغربية المطلقة التى أحاطت بها منذ تأسيسها، حتى بدت طوال عقود كأنها فوق النقد، وفوق القانون، وفوق الحساب.
كتبت مرة وراء أخرى أن دورة التاريخ ترتد على إسرائيل، وأن الدولة التى صاغتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم احتضنتها الولايات المتحدة، حتى غدت جزءا من مؤسساتها السياسية والإعلامية والمالية، بدأت تواجه مراجعة لم تعرفها منذ إنشائها بقرار التقسيم الدولى عام 1947، ثم إعلان قيامها عام 1948.
هذه المراجعة لم تبدأ من خصوم إسرائيل، إنما من داخل البيت الذى بناها وحماها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
كانت إسرائيل تعتمد طوال تاريخها على ثلاث دوائر تبدو متماسكة: القرار السياسى الأمريكى، والرأى العام الغربى، وما يدعى التفوق الأخلاقى الغربى الذى صاغته رواية ما بعد الحرب العالمية الثانية.
واليوم تتآكل الدوائر الثلاث معا.
فالسياسى الأمريكى لم يعد يخشى انتقاد إسرائيل كما كان يخشى بالأمس.
والإعلامى المحافظ لم يعد يرى الدفاع عنها جزءا من العقيدة الجمهورية.
والشارع الأوروبى لم يعد يتعامل معها باعتبارها الضحية الوحيدة فى الشرق الأوسط.
والجامعات الغربية، التى كانت أحد أهم مصانع الرواية الإسرائيلية، أصبحت ساحات احتجاج ضدها.
لقد كانت إسرائيل طوال ثمانية عقود الحليف الذى لا يسأل، والدولة التى لا تحاسب، والاستثناء الذى تتعطل عنده كثير من قواعد القانون والسياسة.
أما الآن، فإن الغرب نفسه بدأ يفكر بصوت عال: هل أصبحت كلفة هذا الاستثناء أكبر من العائد؟
لعل هذا أخطر سؤال يواجه إسرائيل منذ قيامها.
فالدول لا تسقط يوم أن تفقد سلاحها، إنما تبدأ رحلة التآكل يوم أن تفقد الرواية التى حمتها، ويبدأ الراعى فى مراجعة حساباته، وتبدأ الشعوب فى كسر المسلمات التى عاشت عليها أجيال كاملة.
ربما لهذا لم يعد السؤال: هل تتخلى واشنطن عن حارس المزرعة؟
إنما: هل تغيرت المزرعة نفسها، حتى لم يعد الحارس القديم قادرا على أداء الدور المصنوع؟
شكرا حسام حسن على أية حال، لقد قلت دون خوف، ومضيت بشجاعة.
2026-07-09