لا للتطبيع…
من ذكريات أيام عبور النهر. ح1!
علاء ابو منصور.
أرادتني والدتي طبيباً فأصبحت فدائياً….
يوم الاثنين الموافق ٢٢/٤/١٩٧٤
هو اليوم الأقسى في حياتي لكنه الأهم.
في ذلك اليوم الربيعي الدافئ، كانت تبدأ حصصي التدريسية في مدرسة بنات رام الله الثانوية عند العاشرة صباحاً.
سحبت كرسيًا وجلست أستمتع بدفء الشمس. لم أكن فرحًا، كان يساورني قلق شديد بعد ان اسمعني صديقي أحمد كلامًا استوحيت منه ان خليتنا الفدائية -خلية بنك لئومي، ربما أصبحت في مرمى نيران المخابرات الاسرائيلية – لهذا السبب طلبت ان يحضر عضو خليتي – غازي- إلى رام الله، لعلي افهم منه إن كان أباح بشيء عن سر عمليتنا -عملية بنك لئوي-
وفيما كنت أنتظر حضور غازي على أحر من الجمر، وصلت طالبات من قرية صفا -قرية غازي- متأخرات فسألتهن:
– هل تعطل الباص كالعادة؟
ردت ميسرة وما زال الخوف في عينيها:
– لا. داهم جنود الاحتلال القرية فجراً وفرضوا منع التجول، لم يسمحوا للناس بالتجوال الا قبل ساعة.
أضافت:
– واعتقلوا ثلاثة عشر شاباً.
قلت مضطرباً:
– من هم؟ هل اعرف احداً منهم؟
تسارعت دقات قلبي فيما ميسرة تعدد وتتذكر:
– فلان، علتان، ووووو ….. وغازي.
غازي!! هل غازي المقصود؟! أم انها مجرد حملة اعتقالات روتينية؟…. هذا ما تردد في داخلي بقلق شديد، آملاً ان تكون العملية عادية. فالغريق يتعلق بقشة كما يقال.
واصلت دروسي حتى نهاية الدوام…..
في ذلك اليوم كنت انتظر خبرين سارين: أن يأتي غازي ليطمئنني على سلامة وضع خليتنا، وان أجلس إلى محبوبة قلبي روان، طالبتي التي فتنني حسنها مذ لمحتها عيناي أول مرة.
انتهت حصصي التدريسية عند الثانية والنصف، هبطت الدرج، ويا لعظمة فرحي، كانت روان في انتظاري تزين ثغرها ابتسامة مشرقة وهي تقول في دلال:
– سأل عنك شاب يا أستاذ.
تخيلته غازي فانفرجت أساريري وقد توقعت انه أفرج عنه وجاء ليطمئنني.
اشارت روان إلى شاب يقف عند بوابة المدرسة.
– ذاك هو الشاب.
هذا ابن عمي حسين وليس غازي! ما الذي أتى به في هذه الساعة الحرجة؟! هذا ليس وقت حسين! انه وقت غازي وروان.
ودعت روان وتقدمت صوبه:
– ما الذي أتى بك يا حسين؟
– هل سمعت ما جرى هذا الصباح في قريتنا -بلعين-
– أبداً! ما الذي حصل؟
– داهم الجيش الإسرائيلي القرية، كان كابتن موريس مدير مخابرات رام الله على رأس القوة. كان معهم غازي مقيدًا بيديه، اخذوه إلى (مغارة السباعيات) وعادوا من هناك بسلاح.
جف ريقي، وغامت الدنيا في عيني فلم أعد أرى شيئاً! ألقيت آخر نظرة للخلف لعلي أودع روان! وتحشرج الهمس في حنجرتي: لقد انتهى كل شيء، المؤبد ينتظرني، فالسلاح الذي تحدث عنه حسين هو سلاح الجنود الذي قدت خليتي لمهاجمتهم بالسكاكين. ليلة العملية خبأت وغازي السلاح في تلك المغارة.
لم أعد أذكر ما الذي حصل بعد ذلك…..
دارت العجلة في رأسي حول كيفية الخروج من الورطة. لكن ما العمل وأنا شاب صغير، لا خبرة لي بمواجهة أحداث خطيرة كهذه! أسئلة كثيرة تدب في رأيي كدبيب النمل: هل سيعترف غازي علي؟ أي سؤال أهبل هذا وأنا قائده وقد أصبح سلاح الجنود بيد المخابرات؟ لا سبيل أمامه سوى الاعتراف.
ما العمل؟ ما العمل؟ …. هذا سؤال شديد الوطأة في مثل هذه الظروف. علي أولًا أن أغادر إلى مدينة اريحا لعلي أصبح خارج منطقة تفكير العدو . وهناك ربما أجد راعيًا او مزارعاً يساعدني في عبور النهر مقابل مبلغ من المال.
أسرعت إلى غرفتي في حي عين مصباح…..
تتابعت الصور المرعبة في خيالي، فغابت تلك الصور النضرة للمحبوبة، بدت صورها شاحبة. الله كيف تنقلب المشاعر في لحظات! جبال آمال مشرقة تهاوت كأنها لم تكن! ما ظل عالقاً بذهني هو:(وعاد الجنود من المغارة حاملين سلاحًا)
وفي الوقت الذي شعرت فيه ان الدنيا الفسيحة تضيق من حولي، راحت أفكاري تنتظم. والأفكار كائنات حية. تولد صغيرة ثم تنمو وتكبر.
في طريقي إلى غرفتي مررت بمتجر صديقي أبو يوسف فداهمني بذات السؤال الرهيب:
– هل عرفت ما جرى في بلعين اليوم؟
هززت راسي وانفجرت بضحك هستيري لاإرادي! كنت اضحك بجنون مخجل! دون ان أمتلك القدرة على ضبط نفسي! بدوت كشخص رزين فقد عقله فجأة.
حين وصلت غرفتي بعد ربع ساعة جفلت! تخيلت رجال المخابرات ينقضون علي…. تطلعت يميناً ويسارًا ثم هبطت الدرج…. تملكني شعور انني أغادر المكان إلى غير رجعة.
أدرت المفتاح في باب الغرفة في شيء من اليأس…. البسة معلقة بمسامير على الجدران، وكتب متناثرة هنا وهناك، وبقايا اكل احتفظت به للغداء ….. هذا حال سكن الشاب الأعزب…… لا رغبة لي بالأكل. بدا كأن الأشياء تبكي صاحبها! كأنها تود أن تقفز وتعانقني! كأنني في جنازة! كأنما استحال المكان إلى مقبرة، كل شيء فيه ميت الا فعالية عقلي…. اختنقت بدموعي وانا أمزق أوراق ذكرياتي العزيزة…. لا أقسى من ان تضطرك الظروف لحرق ايامك الجميلة…. ولما حان وقت الرحيل اختنقت بالدموع! كانني ارفض المغادرة…. أقفلت الباب بأصابع رخوة وغادرت بصمت كما حضرت! يا لقسوة تلك اللحظات! ربما أنني أسدل الستار على أجمل حقبة في حياتي.
في طريقي إلى دوار المنارة عرجت على متجر صديقي ابو يوسف. أخذت منه ما يعادل مئة دينار اردني وهمست له:(سأتصل بك صباح الغد لأعرف إن داهم الجنود غرفتي أم لا. في حال داهموها قل لي: خالتك ماتت… كان في كلامي ما يوحي بعلاقتي بما جرى في بلعين، قصدت كلامًا ملتبسًا ولم يتطفل صديقي باي سؤال، فللسؤال ثمن هنا! ان السائل سيتهم بالتستر على السر فيما لو اعتقلت واعترفت.
وانا في الطريق صعوداً، تطلعت يمينًا فأطلت مدرسة بنات رام الله….. هنا قضيت اجمل أيامي….. هنا حبي الأول…. هنا تركت قلبًا جريحًا…. تطلعت لليسار فأطل بنك لئومي…. هنا الفخر والخوف.
مشيت….
في محيط المنارة كدت ابكي….. ربما لن أعود ثانية …… ركبت سيارة اجرة إلى القدس، ومن هناك إلى اريحا….
وفيما السيارة تخترق الجبال الجرداء في انحدار شديد، سيطر علي صمت قاس! كشخص داهمه نبأ وفاة والدته على حين غرة، فانعقد لسانه عن الكلام، وكلما اقتربنا من أريحا انتابني شعور كأنني أغرق وأنا أحملق في الأفق اللامتناهي…… الشمس توشك على المغيب، وأنا ألج عتمة المجهول!!! المحن أقدار الحياة، أقدار البشر، والخروج منها أقدارهم كذلك….. أقدار تصنع أقدار.
وهناك أشياء جميلة تولد من رحم الألم.
مع تحيات أبو علاء منصور
هذه المادة موجودة في كتابي (على ضفاف النهر).
تابعوني غدًا.
