من تموز إلى الطوفان!
غيداء شمسان غوبر*
في سجل التاريخ الذي لا يكذب، تتراءى لنا صفحات كأنها نماذج مصغرة لصراع أبدي بين الحق والباطل، بين إرادة التحرر وغطرسة الاحتلال حرب مضت في تموز عام ٢٠٠٦، قيل عنها حينها إنها ليست سوى اشتباك إقليمي، لكن عيون البصيرة رأت فيها نموذجا مصغرا لحرب أكبر، حرب بالوكالة بين قوتين عظميين، يراد لنتائجها أن تحدد موازين القوى وتعلن عن المنتصر بين طهران وواشنطن ورغم الفارق الهائل في الدعم والقدرات التي امتلكها الكيان الصهيوني في كل المجالات، إلا أن المشهد الأخير كان بحث العدو عن وقف إطلاق النار، إقرارًا ضمنيا بفشله في تحقيق أهدافه.
الشاهد في الأمر، أن معركة الطوفان اليوم، هي أنموذج مصغر آخر، لكنها أشد قسوة وأوسع نطاقا إنها حرب كونية على غزة الصامدة، يقودها تحالف الشر العالمي وعملاؤهم في المنطقة، بكل ما يملكون من قوة وسلاح وإعلام وتضليل، مقابل أحفاد الأنبياء في غزة وأحرار المحور الذين لا يملكون إلا إيمانهم ويقينهم بالله وحق قضيتهم الفارق هنا ليس هائلا فحسب، بل هو مذهل، يكاد يكون فارقا بين جيوش الأرض وقبضة الإيمان.
ومع ذلك، نجد في كل جولة من جولات هذه المعركة المفتوحة، أن العدو هو من تبدو عليه الهزيمة، وإن لم تعلن رسميا الكل يدرك ذلك، من المحللين الاستراتيجيين إلى عامة الناس. لكن المشهد الأخير الذي كسر القواعد وغير المعادلات، هو تخلي الأمريكي عن كيانه المدلل، بفعل اتفاق قصري مع اليمن الأبي، في سابقة هي الأولى منذ تأسيس هذا الكيان المصطنع. هذا التخلي لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة لفعل يمني صادق ومؤثر، ضرب شرايين حياة العدو الاقتصادية والعسكرية، وأثبت أن الجغرافيا لا تقيد الإرادة الصادقة المتوكلة على الله.
ولم يتوقف الأمر عند الموقف الأمريكي، بل تلاه مواقف لدول غربية لم تكن كذلك في السابق، بدأت تراجع حساباتها وتغير نبرتها، تحت ضغط صمود غزة وفعل المحور المساند كل هذا لم يكن ليحدث لولا فضل الله أولا، ثم بفضل صمود أهلنا الأسطوري في غزة، الذين لقنوا العالم دروسا في التضحية والثبات، وإسناد محور المقاومة الذي لم يتخل عن مسؤوليته التاريخية، وآخرها وأكثرها تأثيرا، الفعل اليمني الذي بات يشكل كابوسا للعدو وداعميه، ويعيد للأمة شيئا من كرامتها المفقودة.
إن ما نشهده اليوم هو تأكيد لسنن الله في الكون، وأن النصر ليس حكرا على من يملك القوة المادية وحدها، بل هو حليف من يملك اليقين ويترجمه فعلا على الأرض، ومن يصدق ما عاهد الله عليه. من تموز إلى الطوفان، تتوالى النماذج التي تثبت أن إرادة الشعوب الحرة، المدعومة بالحق، أقوى من تحالفات الشر وجبروت الطغاة فليصمد أهل غزة، وليثبت الأحرار في كل مكان، فإن الفجر آت لا محالة، وأن النصر لغزة قادم، بإذن الله تعالى.
اتحادكاتبات اليمن
2025-05-26