599 يومًا… ومركبات جدعون ما زالت في الورشة!
بقلم: نضال بن مصبـاح
599 يومًا!
من قال إن الزمن يُقاس بالدقائق والساعات؟
في غزة، تُقاس الأيام بعدد الشهداء، وعدد القذائف، وعدد الأشلاء التي أُعيد جمعها في أكياس بلاستيكية،
بعدد من زالوا تحت الركام!
599 يومًا… والعالم كله يُطوّق غزة،
والسماء تُمطر نارًا،
والأرض تنفث جحيمًا،
لكن غزة –التي لا تمتلك طائرات ولا غواصات ولا أقمارًا صناعية–
ما تزال تحكم ميزان الرعب… بكفّ صغيرة، ورصاصة وحيدة، وركعة في جوف الليل.
“عميت هليفي” يصرخ: كان يجب أن ننهيها خلال شهرين!
أجل، هذا ما كان يُفترض من منطق القوة.
لكن غزة لا تقاتل بمنطق القوة، بل بمنطق: “يد الله فوق أيديهم”…
وهذا المنطق لا يُفهم في غرف العمليات، ولا يُدرَّس في معاهد الأمن القومي.
في غزة، جيل لا يعرف الهزيمة،
جيل اعتاد أن يصحو على خبر استشهاد أبيه،
ثم يُكمل ما بدأه دون أن تدمع عيناه، لأن البكاء عندهم مؤجل…
إلى حين زوال الكيان.
هل تذكرون؟!
قبل عام، قال رئيس وزراء كيانهم إن النصر في متناول اليد، وإنها مسألة أيام!
دخل رفح… ولا زال غارقًا في رمالها المتحركة،
عامٌ كامل على اجتياحها، لم يحقق فيه “خطوة النصر”،
ولم يشم فيها إلا رائحة الموت في كل زقاق، وتحت كل ركام.
اليوم، بعد أكثر من 19 شهرًا من الحرب، وبعد عام على اجتياح رفح،
يتلقى العدو مقتلة جديدة عبر سلسلة كمائن هنا وأخرى هناك،
ولا تزال طائرات إجلاء القتلى تتسابق في السماء.
مئات آلاف الجنود،
آلاف الغارات،
وحصيلة العدو؟
انكسار… وهروب… وشبحُ هزيمةٍ يتنكر له الإعلام.
عدوٌ مهزوم، جيشٌ قاتل لا يقاتل،
يرمم خيبته بأسماء رنّانة:
من حرب الجبهات السبع، إلى حرب نهضة القيامة، إلى حرب السيوف الحديدية،
إلى حرب أكتوبر، إلى سهم الشمال، إلى بأس السيف…
واليوم: “عربات جدعون”!
توراتيّة الاسم، مكسّرة العجلات!
لم تُدحر المقاومة، لم تُفكك الأنفاق، لم تُروّض رفح،
لم تُحرر الأسرى،
ولم تهزم حتى شاباً فقد عائلته وعاد إلى المتراس!
العدو الذي لم يجد نصره في رفح المحروقة،
لن يجده بـ”عربات جدعون” ولا بغيرها.
لأن هذه حرب تجري على عين الله،
يده فيها مشهودة،
ونصره لا يُشترى ولا يُستورد… بل يُهدى إلى من يستحقه.
599 يومًا… ولا تزال غزة على الجبل، لم تبرح.
خلفها وعد الله، وأمامها ترسانة إبليس،
لكنها تعلم –وهي وسط الجراح–
أن النصر يُكتب في السماء قبل أن يُوقّع في الأرض.
الجنود يهربون، القادة يتبادلون التهم، والليكود ينهار من الداخل.
والكيان محاصر بحراً وجواً بفضل الصوايخ اليمنية،والمتظاهرين لايفارقون شوارع تل ابيب
كل هذا لأنهم واجهوا شعبًا بلا مؤسسات، بلا ميزانيات، بلا إعلام…
لكن معه الله.
وهذا، والله، يكفي.
تخيّلوا فقط…
أمةٌ تُحاصر، تُقصف، تُجوَّع،
ثم بعد 599 يومًا تُجبر عدوّها على سحب جثثها في أكياس سوداء لم يُتعرف على أصحابها حتى اليوم،
هذا إن وُجدت أشلاء أصلًا!
أيّ عزّ هذا؟ وأيّ معجزةٍ تمشي على قدمين؟
هذه ليست مقاومة،
هذه ولاية إلهية على أرض الرباط،
هذه كتيبة يراها الغزاة ضعيفة،
لكنها في ميزان السماء أمةٌ قائمةٌ لله،
لا تُهزم إلا إذا انقطع عنها الوحي!
﴿قَد كانَ لَكُم آيَةٌ في فِئَتَينِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ وَأُخرى كافِرَةٌ…﴾
599 يومًا…
وكلما ظن العدو أنه اقترب من النصر،
اكتشف أنه يبتعد أكثر عن الحياة.
وكلما ظن أن غزة تضعف،
ظهرت له في اليوم التالي كأنها استيقظت من قيام الليل بشحنة ربانية جديدة!
هنا غزة،
حيث المجاهد يدفن أهله ويعود إلى المتراس،
وحيث الحصار ذخيرة، والدماء وقود، والخيام مصانع أبطال.
هنا غزة،
حيث الجائع لا يساوم، والمكلوم لا يفاوض،
وحيث الشهادة لا تُخيف لأنها أقرب إلى الفوز من الحياة.
وإن سألتم: لماذا لم تُهزم غزة بعد؟
فالجواب ليس في التحليل العسكري،
بل في قوله تعالى:
﴿إِن يَنصُركُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُم…﴾
فارتقبوا،
فالنهاية لا تُكتب من تل أبيب،
بل من حيث ينزل الغيث،
ومن حيث تصعد الأرواح إلى ربّها راضيةً مرضية.
2025-05-26
