من النقاش حول المؤتمر الثامن إلى تفكيك شروط إنتاج السياسة الفلسطينية!
غانية ملحيس
ملخص تنفيذي
ينطلق المقال من النقاش الذي رافق انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، ليس بوصفه حدثا تنظيميا معزولا، بل باعتباره لحظة كاشفة لبنية أعمق تتعلق بكيفية إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها. فالسجالات التي ظهرت حول المؤتمر، رغم تعددها بين النقد والإصلاح والمعارضة، بقيت تدور داخل حدود ثابتة تركز على الإجراءات والتوازنات الداخلية، دون مساءلة الشروط التاريخية والمعرفية التي تصوغ المجال السياسي الفلسطيني.
يرى المقال أن الأزمة لا تكمن فقط في بنية المؤسسات أو النخب فقط، بل أيضا في اللغة السياسية السائدة التي أعادت إنتاج نفسها منذ مرحلة أوسلو. فمفاهيم مثل “الإصلاح”، و”الحوكمة”، و”بناء المؤسسات” تحولت تدريجيا إلى إطار يحدد ما يمكن التفكير فيه سياسيا، ما أدى إلى ما يسميه المقال “الانسداد المفاهيمي الناعم”، حيث يصبح النقد ذاته جزءا من استمرار البنية القائمة بدلا من تجاوزها.
ويحلل التحول التاريخي من حركة تحرر وطني، إلى بنية حكم تعمل تحت شروط سيادة منقوصة، ضمن واقع استعماري استيطاني لا يسيطر فقط على الأرض، بل يشارك أيضا في إعادة تعريف الممكن السياسي وحدود الفعل والتمثيل.
وفي هذا السياق، تتحول السياسة من مشروع تغييري إلى إدارة مستمرة للواقع داخل سقوف محددة مسبقا.
في المقابل، يشير المقال إلى أن إنتاج السياسة لم يعد محصورا داخل المؤسسة الرسمية، بل بات موزعا بين المجتمع، والفضاء الرقمي، والشتات، والمبادرات المحلية. ويبرز هذا التحول بوصفه مؤشرا على تآكل احتكار المركز السياسي لإنتاج المعنى والتمثيل.
ويخلص إلى أن تجاوز حالة الانسداد السياسي الفلسطيني لا يبدأ فقط بإصلاح المؤسسات أو تغيير النخب، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها، واستعادة القدرة على تخيل أفق تحرري جديد يعيد وصل المجتمع بالتمثيل، ويفتح المجال أمام إنتاج ممكن سياسي يتجاوز شروط الهيمنة الاستعمارية.
المقال الكامل
من النقاش حول المؤتمر الثامن إلى تفكيك شروط إنتاج السياسة الفلسطينية
مقدمة: من الحدث إلى شروط إمكان السياسة
لا يمكن فهم النقاش الفلسطيني الذي رافق انعقاد المؤتمر الثامن لحركة سياسية مركزية كفتح بوصفه مجرد سجال تنظيمي حول الانتخابات الداخلية، أو توازنات القيادات، أو آليات إدارة المؤتمر. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، لأن ما جرى لم يكن حدثا سياسيا منفصلا، بل لحظة كاشفة لبنية أوسع: بنية إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها.
ما ظهر في النقاشات لم يكن مجرد اختلاف في التقييم، بل انكشاف لحدود اللغة السياسية ذاتها: كيف يُقال السياسي؟ وما الذي يُسمح بقوله؟ وأين تنتهي السياسة بوصفها تفكيرا، وتبدأ بوصفها إدارة داخل سقف محدد مسبقا؟
بهذا المعنى، لا يعود المؤتمر موضوعا قائما بذاته، بل يصبح ذريعة معرفية لفحص سؤال أعمق:
كيف تُنتَج السياسة الفلسطينية أصلا، وتحت أي شروط تاريخية ومعرفية تعمل؟
أولًا: النقاش بوصفه بنية مغلقة رغم تعدده
يبدو النقاش الفلسطيني حول الحدث السياسي، في ظاهره، واسعا ومتعددا: إصلاحي، نقدي، تفكيكي، مؤسسي، ومعارض. لكنه في عمقه يتحرك داخل انتظام غير مرئي: حدود ما يمكن قوله سياسيا. فالنقاش، رغم كثافته، يدور غالبا داخل ثلاث دوائر:
· نقد الإجراءات والإدارة،
· إعادة ترتيب التوازنات الداخلية،
· تحسين الأداء والشفافية.
لكن حين يقترب من سؤال البنية التاريخية والمعرفية التي تنتج السياسة، يتراجع أو يُعاد تأطيره داخل لغة الإصلاح.
وهكذا، لا يعمل النقاش كفضاء إنتاج معرفة سياسية جديدة، بل كفضاء يعيد تدوير الأسئلة داخل سقف معرفي ثابت، مثل الجدل الذي يرافق كل مؤتمر داخلي. حيث تتحول الأسئلة البنيوية سريعا إلى نقاش حول الإجراءات، وآليات الاقتراع ،وتوزيع المواقع.
كما يظهر في لحظات النقاش العام، حين تتراجع الأسئلة المتعلقة بطبيعة النظام السياسي نفسه، لصالح جدل سريع حول التمثيل والتوازنات، فينكمش السؤال من “كيف تُنتَج السياسة؟” إلى “من يمثل من؟
ثانيًا: اللغة السياسية وإعادة إنتاج حدودها
أحد أهم ما يكشفه هذا الحقل النقاشي هو أن اللغة السياسية نفسها لا تُساءل.
فمفاهيم مثل: الإصلاح، التجديد، إعادة البناء، استعادة الوحدة، تبدو وكأنها مفاهيم معيارية مستقلة، بينما هي في الواقع مفاهيم تاريخية نشأت داخل شروط محددة، لكنها تستمر في العمل كأنها خارج التاريخ. وهكذا لا يحدث تفكيك للغة السياسة، بل إعادة إنتاج لها داخل نقدها.
ومع توسع بنية التمويل الدولي بعد أوسلو، لم يقتصر التحول على الاقتصاد أو الإدارة، بل امتد إلى اللغة السياسية نفسها. فتصاعدت مفاهيم مثل: الحوكمة، بناء المؤسسات، التنمية، الاستقرار، وتمكين المجتمع المدني، بوصفها لغة بديلة تدريجيا عن مفاهيم التحرر والتغيير التاريخي. وهكذا لم يُعاد تشكيل الاقتصاد فقط، بل أُعيد تشكيل ما يمكن التفكير فيه سياسيا.
وهذا ما يمكن تسميته بـالانسداد المفاهيمي الناعم: حيث يتحول النقد نفسه إلى جزء من استمرار البنية التي ينتقدها.
ثالثًا: من تعدد الخطابات إلى انقطاع التراكم النظري
يمكن تمييز ثلاثة أنماط كبرى في الخطاب السياسي الفلسطيني:
· خطاب مؤسسي يعيد إنتاج الشرعية القائمة،
· خطاب إصلاحي يحاول تحسين الأداء دون مساس بالبنية،
· خطاب تفكيكي يسائل البنية ذاتها.
لكن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الخطابات، بل في غياب التفاعل بينها داخل حقل نظري مشترك. فهي تعمل كجزر منفصلة، لا تنتج تراكما معرفيا، بل تكرارا للأسئلة ذاتها بأشكال مختلفة.
ولا يرتبط هذا الانقطاع فقط باختلاف المواقع السياسية أو الفكرية، بل أيضا بتفكك المجال الوطني الفلسطيني نفسه بعد أوسلو، وتوزع الفاعلين بين الداخل والشتات، وبين منطق التحرر ومنطق الإدارة اليومية تحت الاحتلال.
ففي ظل هيمنة اللحظة الطارئة، والتجزئة الجغرافية والسياسية، تصبح السياسة أقرب إلى الاستجابة المستمرة للأزمة، لا إلى بناء تراكم نظري طويل المدى. وهكذا لا ينقطع الحوار بين الخطابات فقط، بل تنقطع أيضا الشروط التي تسمح بتحول التجربة السياسية إلى معرفة تاريخية متراكمة.
رابعًا: من الحدث إلى بنية إنتاج السياسة
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما ظهر في المؤتمر بوصفه خللا تنظيميا، بل بوصفه تعبيرا عن منطق أعمق يمكن تسميته بـالتحكم في مدخلات السياسة، لإنتاج مخرجاتها مسبقا.
ويقوم هذا المنطق على:
للمزيد أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/94046
2026-05-24