الاحتلال في الوقت المستقطع…!
سعادة مصطفى أرشيد*
بعد تفاؤل زائف، عاد الاشتباك الإيراني الأميركي إلى دائرة النار، في حين اقتصرت الردود الإيرانية في هذه المرة على الجوار الخليجي والأردن، أما “الإسرائيلي” فيواصل حربه على لبنان مدعوماً بغطاء أميركي ـ عربي ـ لبناني رسمي. ولا يزال المراقب للأحداث ينتظر ماذا سيقوم به الأتراك في الأيام القريبة لنعرف هل سيتمّ إطلاق يد أبي محمد الجولاني في لبنان أم لا، بخاصة أنّ قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في تركيا مؤخراً قد شهدت تفاهمات تركية ـ أميركية وعقد صفقات سلاح وطائرات، وحضر على أبواب صالوناتها أحمد الشرع وحظيَ بـ “شرف” استقبال دونالد ترامب له، فهل سنرى تدخلاً من عساكره وميليشياته في لبنان دعماً للاحتلال؟ وهذا أمر غير مستبعد، بخاصة أنه ضرورة “إسرائيلية” أميركية لفتح أبواب الحرب الأهلية على مصاريعها، إنها لحظة التقاء بين المشروع الغربي وأداته في فلسطين المحتلة مع مفرزات الربيع العربي الزائف.
يرى رئيس حكومة الاحتلال وأركان وزارته أنّ الوقت من الآن وحتى الثامن والعشرين من تشرين الأول المقبل يمثل فرصة لتنفيذ أجنداتهم على أكثر من نقطة اشتباك، فكلّ ما يمكن فرضه خلال هذه الأشهر الثلاثة قد لا تستطيع أي حكومة “إسرائيلية” مقبلة تجاوزه باعتباره قد فُرض أمراً واقعاً، من طهران وحتى غزة وما بينهما. وإذا كان التركيز الإعلامي يقوم بتغطية واسعة لمجريات الاشتباك مع إيران بالدرجة الأولى والاشتباك في جنوب لبنان بالدرجة الثانية، فإنّ البرامج الشيطانية يتمّ تمريرها بسلاسة في فلسطين المحتلة؛ إنْ في الضفة الغربية، وإنْ في غزة، وإنْ في القدس.
في غزة التي توقف القتال فيها نظرياً في 29 من أيلول الماضي ودخل حيّز التنفيذ في التاسع من تشرين الأول، قدّم الأميركان خطتهم للتعامل مع اليوم التالي للحرب، هذه الخطة التي عادوا وتجاهلوها مما أتاح لحكومة الاحتلال الاستمرار في الحرب وتكريس احتلالها لـ 70% من غزة احتلالاً مباشراً، والسيطرة من خلال الحصار وتواصل القتل والهدم والاغتيال على ما تبقى، فيما يتحدث وزراء في حكومة الاحتلال عن ضرورة عودة الاستيطان إلى غزة، وتعلن الحكومة رسمياً وصراحة أنها لن تنسحب ما لم يتمّ سحب سلاح المقاومة، وهو الأمر الذي تعرف غزة ومقاومتها أنّ تجريدها من سلاحها هو خطوة للعودة للحرب ولكن بدون سلاح، وهي لم تقبل بذلك أبداً، وإنْ بادرت بتقديم مبادرة حسن نيات منذ أيام عندما قامت بحلّ لجنة الطوارئ التي كانت تدير غزة بهدف تسليم الإدارة إلى اللجنة التي تشكلت في حينه من التكنوقراط، ولا يزال أعضاؤها ينتظرون منذ أشهر طويلة في القاهرة أن تسمح لهم حكومة الاحتلال بدخول غزة. هكذا تعمل حكومة الاحتلال على عرقلة حتى من اختارتهم الولايات المتحدة للحلول مكان المقاومة في إدارة القطاع، وترى أنه من الآن وحتى الانتخابات لن يكون في غزة إلا استمرار للقتل والحرق والاغتيال والمعاناة.
في الضفة الغربية تشكلت وبرعاية حكومية جمعية يهودية تحمل اسم “هبيتها” وشعارها “عائدون إلى أرض الوطن”، والمقصود بالوطن هنا الضفة الغربية، وتدعو هذه الجمعية لا بل وتمارس الاستيطان من جديد في كامل المواقع المستهدفة في شمال الضفة بما فيها مناطق (أ) التي تعود لحكم وإدارة السلطة الفلسطينية، حسب اتفاق أوسلو، وعند تشكيل الجمعية المذكورة أعلنت عن نيتها إقامة 100 نقطة استيطانية في شمال الضفة الغربية وقد نفذت قسماً كبيراً منها كأنها تسابق الزمن.
يتمّ اختيار النقاط الاستيطانية هذه بناءً على تقدير ورعاية الجيش والمخابرات لتكون نقاط تحكم استراتيجي، وذلك يعني أنها نقاط ثابتة لها وظيفتها الأمنية وقادرة على جعل حياة الفلسطينيين جحيماً أشدّ من الجحيم الحالي الذي يعيشونه، وذلك في خدمة المشروع المعلن للحكومة القاضي بضم الضفة الغربية وتهجير سكانها.
في رؤية الجمعية المذكورة ومؤيديها في الحكومة أنّ أيّ حكومة مقبلة، حتى لو عارضت مشروع الضمّ والتهجير وكان لها رأي مخالف في موضوع الاستيطان، فسيكون من الصعب جداً عليها تفكيك هذه النقاط الاستيطانية، لا بل إنّ بعض قوى المعارضة في تل أبيب ترى هذه النقاط ضرورية ويجب إنجازها في عهد هذه الحكومة لتخفيف الضغط عليها في حال فازت في الانتخابات، إذ تستطيع الادّعاء أنها غير مسؤولة عنها وأنها ستحول دون إقامة مستوطنة جديدة فقط.
هذا ما يجري في الوقت الضائع دون أن يلقى معارضة لا فلسطينية ولا عربية ولا دولية ولا…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-07-15