من الجولاني في سوريا إلى خور عبد الله في العراق: واشنطن تدير خيوط التوتر!
أمل سبتي*
في الوقت الذي تنشغل فيه شعوب المنطقة بلملمة جراحها من الحروب والأزمات، تواصل الولايات المتحدة الأميركية سياسة العبث الخفي في الشرق الأوسط، عبر أدوات متعددة، أقلها العسكري وأكثرها خطورة تلك الأدوات الناعمة التي تعيد إنتاج التوتر وتفجير الخلافات بين دول الجوار.
من سوريا حيث يحكم الجولاني بقبضة أمر واقع وبتواطؤ دولي وصمت عربي مخزٍ، إلى جنوب العراق حيث تتفجر أزمة خور عبد الله مع الكويت، تتكرر ذات الخيوط: زرع الفتنة، تفكيك المجتمعات، خلق خصومات جديدة، وتغذية الانقسام بما يضعف الجميع ويبقي واشنطن اللاعب الأوحد على رقعة المنطقة.
خور عبد الله… الصاعق المؤجل
قضية خور عبد الله ليست جديدة، لكنها تعود إلى الواجهة كلما احتاجت واشنطن إلى ورقة ابتزاز أو ضغط ضد بغداد أو الكويت أو كليهما. وتعيد إثارتها الآن بالتزامن مع حالة الضعف السياسي الذي تعيشه الحكومات العربية، والانشغال الإقليمي بالصراعات الداخلية، مثل سوريا واليمن ولبنان.
الخلاف الحدودي بين العراق والكويت – رغم أنه يمكن حله بالحوار والتفاهم – يُستَخدم كمادة تفجيرية جاهزة، وكساحة لصرف الأنظار عن الأجندات الأمريكية الأعمق، التي تعمل على تفكيك الروابط بين الدول العربية، واستنزاف قواها في قضايا جانبية لا تخدم إلا مصالح الخارج.
من الجولاني إلى الخليج… خطة واحدة
في سوريا، تركت واشنطن المشهد يتآكل من الداخل، وسمحت بصعود شخصيات متطرفة خارجة عن الشرعية، مثل الجولاني، الذي نصب نفسه رئيسًا لجمهورية سوريا دون أي انتخاب أو تفويض شعبي، في تحدٍ صارخ لفكرة الدولة ومؤسساتها. هذا الواقع لم يكن ليتشكل لولا الضوء الأخضر الأميركي، والتواطؤ الدولي المريب، الذي سمح بإبقاء الفوضى قائمة، وتحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لتجارب الهيمنة والتقسيم.
الرسالة واضحة: من يخدم مصالح واشنطن يُسمَح له بالبقاء. ومن يرفض يُدفع إلى الفوضى. واليوم، يبدو أن نفس السيناريو يُحضّر في الخليج، ولكن بأسلوب مختلف. هذه المرة، عبر أدوات قانونية وحدودية، لكن الهدف واحد: إبقاء المنطقة في حالة قلق دائم، والتلاعب بالجغرافيا بما يخدم الهيمنة الأميركية.
السياسيون في اختبار… لا تسقطوا في الفخ
ما يجب التنبه إليه أن هذا التصعيد ليس خلافًا بريئًا أو اختلافًا تقنيًا في التفسير القانوني. إنه فخ مرسوم بدقة، تدفع فيه أميركا الطرفين إلى الاحتراب السياسي وربما أكثر. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل يدرك السياسيون في العراق والكويت خطورة هذا الفخ؟ وهل لديهم من الحكمة ما يكفي لرفض الدخول في هذه اللعبة؟
الرهان اليوم هو على وعي النخب السياسية في كلا البلدين، وألا تُستخدم هذه الورقة لتسجيل نقاط داخلية أو إثارة العصبيات الوطنية. المطلوب ليس التنازل عن الحقوق، بل الانتباه إلى من يدير الأزمة من خلف الستار.
الحدود ليست أداة صراع… بل مساحة للتكامل
الخلافات الحدودية موجودة في كل العالم، لكن في منطقتنا يتم تحويلها إلى معارك وجود. والأخطر حين تكون تلك المعارك موجهة من الخارج، ويجري النفخ فيها لإضعاف الجميع. خور عبد الله يمكن أن يكون مساحة للتعاون الاقتصادي والبحري، بدل أن يكون شرارة فتنة جديدة.
والمطلوب اليوم أن يُرفع هذا الملف من يد وسائل الإعلام والضغط الشعبي الفوضوي، ليُناقش بهدوء وحكمة بين الدول، وفق الأطر القانونية والسياسية، لا بإملاءات السفارات أو بإغراءات الصفقات الخارجية.
واشنطن لا تنسى مشروعها
أميركا لم تتراجع عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، بل فقط غيّرت أدواته. لم تعد تحتاج إلى جيوش غازية، بل تكفيها حدود مشتعلة، وخلافات مصطنعة، ونخب مأزومة لا ترى أبعد من كرسي الحكم أو مكاسب آنية.
من سوريا الممزقة، إلى العراق المتعب، إلى الخليج القلق… تنسج واشنطن خيوط العبث، وتعيد إشعال الملفات المنسية كلما بدأت المنطقة تلتقط أنفاسها. خور عبد الله اليوم ليس مجرد ممر مائي، بل مرآة تعكس هشاشتنا، وساحة اختبار لوعينا الجماعي.
كاتبة تونسية
2025-07-31