من أوراق كتابي (المنسيون).7 !
أبو علاء منصور.
من جبل النار….
استضافنا الأسير المحرر لؤي عبده الذي قضى خمسة عشر عاماً في سجون الاحتلال على غداء في بيته بمدينة نابلس. اغتنمتُ فرصة الصباح والتقيتُ في مقر هيئة المتقاعدين العسكريين بالمدينة كلٌ من محمود الألفي، عصام الشايب والشقيقان حمدي وجمال الدردوك، وأحمد عبد الهادي. قال حمدي: كان عمري واحداً وعشرين عاماً حين التحقتُ بحركة فتح في مدينة نابلس في شهر آب عام 1967عن طريق أبو علي المدني الذي استشهد في العام 1969. كان شقيقي فريد من أوائل المطلوبين لقوات الاحتلال في نابلس، واستشهد في اشتباك يوم الثامن من شهر تشرين الثاني عام 1967. أسرني الإسرائيليون في معركة الكرامة. كنتُ ضمن مئة وخمسين أسيراً، أفرج عنهم بالتدريج حتى استقر الأمر على خمسة وخمسين فقط. قضيتُ ستة وعشرين شهراً في سجن نابلس. كنا قسمين: أسرى معركة الكرامة في قسم، وأسرى الأرض المحتلة في قسم ثان. تعرفتُ في السجن على عبد الحميد ارشيد، أحمد ارشيد، ونجيب الأحمد وآخرين من مجموعات عكا وأم الفحم. أطلق سراحي مع واحد وخمسون من أسرى الكرامة مقابل جثث جنود إسرائيليين قتلوا في تلك المعركة. بقي ثلاثة منا في السجن هم عبد الإله الأتيرة الذي كان محكوماً غيابياً بعد هروبه إلى الأردن والتحاقه بالثورة. وشخص لقبه أبو سمير السوري، وحمدان أبو طالب اللذان اتهما بإعدام مشبوه في السجن. قال جمال الدردوك شقيق حمدي: جندني شقيقي كمال لفتح وأنا في السابعة عشر من عمري. كان اتصالنا مع ناهض الريس\أبو منير مسؤول لجنة الجليل في حينه. جندني أنا وجودت الصراوي، نضال العسالي، عصام أبو بكر، ميسرة يعيش، وابن عمي بسام الدردوك وفايق حميدات. طلب كمال مني ومن جودت أن نشتري بلطة، وظل يحوم حول حواجز الاحتلال العسكرية ومعسكراته كساعة لا تتوقف عقاربها عن الدوران. لم تكن الرقابة مشددة في تلك المرحلة، كان الجنود يقفون على الشوارع ويصعدون إلى السيارات بما فيها العربية. صعد جندي إلى مركبة جمال ورفض زميله الصعود فتراجع جمال عن اختطافه خشية أن يكون زميله انتبه لرقم السيارة. في إحدى الليالي أحدث كمال حالة رعب وقد عاد إلى المنزل وثيابه ملطخة بالدماء! ادعى أنه حاول الفصل بين شبان سكارى على دوار نابلس فأصيب بسكين في يده. قال لي: “أيقظني حين تذهب إلى الفرن”. أيقظته فجراً وحين وصلنا إلى الفرن نظرتُ للسيارة المخبأة داخله فشاهدتُ حقيبة وملابس عسكرية وبركة دم. لم يقل كمال شيئاً وأنا لم أتجرأ على السؤال لكني قدّرتُ الأمر. القينا الحقيبة والملابس في بيت النار، وأسرعنا لتنظيف السيارة. بعد شهرين كان ثلاثة من أعضاء مجموعتنا يجلسون ليلاً تحت شجرة وسط مدينة نابلس -نضال، ميسرة، وفايق- جاء عمال البلدية لإصلاح لمبة كهرباء في الشارع فنهروهم وطلبوا منهم الانصراف. ظنهم العمال حرامية فأبلغوا الشرطة. اعتقل الثلاثة واعترفوا أنهم ينتمون لفتح وأن كمال مسؤولهم وأن لديه سلاحاً! يومين وجيء بكمال مكلبشاً إلى الفرن! نبش رجال المخابرات الحطب فعثروا على بندقية الجندي “إلياهو لوفو” الذي اختطفه كمال وبسام ومنذر العايدي ودفنوا جثته في جبال قرية تل. اتهمت مجموعتنا بتنفيذ عملية بنك لئومي التي نفذتها مجموعتكم في رام الله. كانت عمليتكم مفتاح عصر الطعن والاستيلاء على سلاح الجنود وتلتها عمليتنا بعد أقل من شهر. في المحكمة سُئل كمال: لماذا قتلت الجندي؟ رد: لأنكم قتلتم شقيقي فريد. حُكم كمال وبسام مدى الحياة، وحكمتُ أنا وجودت عشرين عاماً. وحُكم نضال، عصام، وميسرة عشر سنوات وفايق سبع سنوات. قضى كمال عشر سنوات في السجن وخرج في صفقة تبادل في العام 1979. وأُفرج عن بسام في صفقة تبادل العام 1983، وجودت في صفقة تبادل العام 1985. أما أنا فقضيتُ عشرين عاماً ناقصة ستة أشهر. لماذا الستة أشهر؟ لأنني أنقذتُ شرطياً في سجن جنيد. كنتُ شاويش قسم وفي العادة هناك أخذ ورد بين الشاويش والشرطة. ذات يوم تدحرج الشرطي “وجيه قزامل” على الدرج وخشي زميله الاقتراب منه، فناديتُ أن افتح لي الباب وأحضرْ نقالة. فتحَ فحملتُ وجيه إلى العيادة. في اليوم التالي سألني ضابط الاستخبارات: لماذا أنقذت وجيه؟ قلتُ: هذا ما تعلمناه في الثورة. استدعاني “يودا” مدير السجن: (أريد أن أقدم لك شكر الإدارة على موقفك النبيل. سنطلب من المستشار القضائي مكافأتك بالإفراج عنك). رفض الشاباك الإفراج عني فجرى تخفيض حكمي بستة أشهر. أضاف جمال: في صفقة تبادل العام 1985 أُبلغتُ أن اسمي ضمن لائحة المفرج عنهم، ونقلتُ إلى غرفة رقم 5. حلمتُ بالزواج وبناء أسرة. انفعال ودموع اختلط فيها الفرح بالحزن والشباب يقفون خلف القضبان منتظرين سماع أسمائهم! كثيرون بكوا! صدمة وقد فوجئتُ أن اسمي ليس في اللائحة! طلبتُ من زميلي مسلم الدودة الناطق باسم السجن أن أعود إلى غرفتي في قسم 7 كي لا أفسد فرح من ظهرت أسماءهم. لحظات صمت مخيفة وقد فتح الأسير حسين عابد الراديو فصدحت أغنية وردة الجزائرية: خليك هنا خليك. أضاف جمال: في اليوم الذي سبق الإفراج عني بعد ست سنوات، جاءني ضابط الأمن “رويمي” وهو يهودي مغربي: أريد أن أشرب عندك فنجان قهوة. سألني ونحن نحتسي القهوة: هل تحب اليهود أم تكرههم؟ قلت: لماذا أكرههم؟ لكن من جاءؤا من أوروبا عليهم أن يعودوا. قال رويمي: جئتُ لأرفع لك القبعة احتراماً. كلي أمل أن تعطي م. ت. ف قيمة لأمثالك.
عن مرحلة ما بعد التحرر قال جمال: شهرين بعد تحرري والتحقت بجامعة النجاح وتزوجتُ. يؤلمني أنني برتبة لواء مع أنني لم أشارك في اختطاف الجندي، وأن ابن عمي بسام الموجود في الأردن والذي شارك في العملية من أولها حتى آخرها برتبة ملازم أول.
قال محمود الألفي: أصبحنا فدائيين على صيت الثورة. كنت أتمنى أن أكون بطلاً كالذين تتحدث عنهم إذاعة صوت العاصفة. في تلك الآونة كانت نابلس وقراها من أبرز البؤر التي أقيمت فيها القواعد الارتكازية لفتح. كثير من الدوريات العسكرية الآتية من الخارج أقامت قواعد في قرى زواتا وقباطية وعقربا وجبال جباريس في منطقة طوباس. ذات يوم من أيام شهر كانون الثاني من العام 1968 كنت عائداً من المدرسة الغزالية وأنا في الصف الثالث الإعدادي. لاحظتُ وجوهاً غير مألوفة! أناس يرتدون سُتراً مع أن الجو ليس بارداً! ناداني أحدهم: “محمود”. التفتُ فعرفته، إنه الحج محمد عفانة صديق والدي. قال: أبوك الله يرحمه كان زلمة قبضاي، بدّي ايّاك تكون مثله. قال الحج ذلك واختفى. عُدتُ إلى البيت منشرح الصدر. ثلاثة أيام وطلبني الحج عفانة إلى منزل الحج أبو السعيد بعارة. كان هناك شفيق نصر الله “أبو هيثم” من بيت فوريك. جاء الثلاثة بمصحف وأقسمتُ يمين الولاء لفتح. طلب مني الحج محمد تنظيم مجموعات من الطلبة فنظمت نظام أبو حجلة، عبد الكريم النابلسي، قيس كمال، جعفر الأسمر، حسام العقروق، حسان سالم، غانم أبو زنط، وعمر البدوي. ومن العمال نظمتُ عبد الكريم رمّاحة، صادق حسين، حسين يعيش، عز الدين تمام، فاروق الطمبور، محمد ترياقي، زاهي العقاد، سليم فريتخ، عصام الشايب، ونهاد الأغبر. أضاف محمود: بعد مغادرة أبو عمار قاعدته في بيت فوريك عائداً إلى الأردن والضربات التي تعرض لها التنظيم لاحقاً، حصل شبه فراغ عسكري في المنطقة فاندفعنا لتعويضه. زودتنا بالسلاح دورية عسكرية قادمة من الخارج يقودها عبد الفتاح حمايل من قرية كفر مالك، وتضم إبراهيم الخاروف من نابلس، وأسعد غانم من قرية بيت فوريك، ويوسف البحيصي من قطاع غزة. اعتقل أحد أعضاء خليتنا فانكشفنا. توجهتُ وعصام وسليم فريتخ إلى قاعدة المطاردين في -جبل أبو عجرم- بقرية زواتا وأصبحنا مطلوبين، كان معنا “صدقي الراغب\أبو محمد” من قرية عصيرة الشمالية. بواسطة محمد حسان “أبو حسان” مسؤول مجموعة “سُحُب الجحيم” استلمنا ستة صواريخ روكت لانشير وأطلقناها على معسكر دير شرف بالتفجير المباشر -بالأسلاك- نزلتُ إلى مدينة نابلس فالتقيتُ هاني أبو غضيب وأخذني إلى منزله في مخيم عسكر الجديد. هناك تعرفتُ على زهير الدبعي وعبد الكريم النقيب، عبد الله أبو غضيب، وخليل عاشور من تنظيم فتح. في تلك المرحلة كان الوعي التنظيمي متواضعاً والحس الأمني كذلك. كانت تحركنا عواطفنا وليس ضرورات العمل. في الثامن من شهر أيلول عام 1969 دهمت قاعدتنا قوات الاحتلال واعتقلونا. السجن مكان يفقد فيه الإنسان ما هو متاح في الحياة العادية. والسجناء مجموعات منتمية لفصائل ولكل تنظيم طقوسه. مجتمع مصغر في ظروف استثنائية. في تلك الآونة كان سجن عسقلان إرهابي. قوانين صارمة وعقوبات لاإنسانية. في كل غرفة حوالي عشرين مناضلاً من مختلف الفصائل. كانت الفورة نصف ساعة، نمشي اثنين اثنين ونحن منكسي الرؤوس ودون أن يتحدث أحدنا إلى الآخر. وحين نعود يجلس كلٌ على برشه بكامل لباسه بما في ذلك ارتداء الحذاء. عن دوريات الفدائيين القادمة من الخارج قال محمود: جاء كل من بيئة، ولكل تقاليده وفهمه للحياة، والمتعلمون قلة. كنا نشعر بحساسية بالغة تجاه اختراق الإدارة لصفوفنا، الأمر الذي جعلنا شديدي الحرص على نظافة جبهتنا الداخلية. قلتُ: لكني سمعتُ عن أناس قتلوا ظلماً. قال: حصل ذلك مع اثنين في سجن عسقلان نصر الدين الشخشير ومؤيد الحبش، قتلا ظلماً. وعن ظاهرة المتدينين قال: كانوا يرفضون المشاركة في الفعاليات النضالية بدعوى أننا كفار.
قال عصام الشايب الذي التحق بفتح وهو في سن التاسعة عشر: السجن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته. لكننا حولناه من مقبرة أحياء كما أراد السجان إلى مدرسة. في السجن بُنيت شخصيتنا واتسعت معارفنا وتعلمنا من تجارب رفاقنا وثقافتهم. عن ظاهرة التحقيق الداخلي قال عصام: كانت ضرورية لحماية الجسد الاعتقالي من الاختراق. في سجن نابلس كانت التجربة مريرة ووقع ظلم كبير. فقد ترأس حملة التحقيق شخص متساقط ، كنا على وشك التحقيق معه في سجن عسقلان فنقلته الإدارة إلى سجن نابلس. أضاف عن ظاهرة المتدينين: سمّونا كفاراً وملحدين، وقاطعونا اجتماعياً ونضالياً! الضغط النفسي يصنع تطرفاً بالضرورة.
قال أحمد عبد الهادي: نزحتُ إلى الأردن عام 1967 وانتميت لفتح. عدتُ إلى الضفة الغربية في العام التالي وأنشأتُ خلية بالتعاون مع د. نافذ من الجبهة الشعبية، وهو من قرية عينبوس المجاورة لقريتنا. في تلك الآونة لم تكن تفصل بين الفصائل حدوداً، الكل فدائيون. اعتدنا أن نلقي أيام الجمعة قنبلة يدوية من مخلفات الجيش الأردني على دوار نابلس، وكثيراً ما لم تنفجر القنابل الصدئة. لاحقاً تمكنا من الحصول على بنادق كلاشنكوف من الدوريات القادمة من الخارج، وعلى قطع أسلحة من مخلفات الجيش الأردني. في إحدى المرات صعدنا إلى جبل مُطل على قرية بورين وأطلقنا صلية رصاص لإثبات وجودنا. بعد ذلك ذهبتُ إلى منزل محمد معروف عصايرة ومعي الدكتور نافذ الذي كان مطارداً ويرتدي لباس الفدائيين. عدتُ إلى بيتنا فجراً فقال لي شاب: أخذ اليهود المختار ليلاً، وقرية بورين ثكنة جيش، ويقال أن هناك شهيدان أحدهما من عصيرة والثاني من بورين، عبد الله الشامي وراجح عقاب، قيل إن عبوة ناسفة انفجرت بين يديهما أثناء تصنيعها. أضاف أحمد: بعد مرور عامين على هذه الحادثة اعتُقلت دورية فدائية قادمة من الخارج واعترف أعضاؤها على الدكتور نافذ. وبترتيب من المخابرات ادعى شيخ متقدم في السن أنه يحمل للدكتور رسالة من خليل الوزير -أبو جهاد- وأنه يريد جواباً. انطلت الخدعة على الدكتور فكتب رسالة ضمّنها أسماء أعضاء التنظيم والسلاح والعمليات العسكرية! دهمت قوات الاحتلال قاعدة الدكتور أثناء لقائه الشيخ. حصل اشتباك استشهد فيه الدكتور، وبعد أيام اعتُقلنا. حكمتُ اثنا عشر عاماً قضيتُ تسعة منها في السجن، ووافقتُ على الإبعاد أنا وخالد داؤود وعبد الكريم النقيب ووليد مظهر. عن التحقيقات الداخلية قال أحمد: هذه سيف ذو حدّين، ففي حين لا يمكن انتزاع اعتراف من مشبوه ببوسة لحية، فإن القسوة قد تدفعه للإدلاء بمعلومات غير صحيحة ومبالغ فيها. كان هناك قسوة وكنا صغاراً. بعد مدة وصلتنا رسالة من أبو جهاد تطالب بمنع الإعدامات دون موافقة القيادة في الخارج. جاءت الرسالة في أعقاب إعدام عميل، وكنا بصدد إعدام عميلين آخرين. حاولت الإدارة تهريبهما فانقض عليهما الشباب بالسكاكين، مات أحدهما وأصيب الآخر بجروح خطيرة. أضاف عن ظاهرة المتدينين: المتدينون أنفسهم مسؤولون عن تشكُّل الظاهرة. اتفقنا على إضراب تضامني مع المطران كبونشي ليوم واحد فرفضوا المشاركة، لم يلتزموا فاستحقوا الضرب.
في منزل لؤي عبده على قمة جبل الطور تناولنا غداء لذيذاً، منسفاً حضّرته زوجته غصون، ابنة المناضل عبد الله عباس من سكان مخيم اليرموك، وهو الذي قضى عشرة أعوام في السجن السوري بتهمة أنه عرفاتي.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا
2020-05-26