منوعات بقلم بكر السباتين..
عصف ذهني.
لماذا لا توجد حملة عربية إسلامية مستعرة محمومة؛ لمقاطعة البضائع الإسرائيلية أو إيقاف التطبيع المهين مع المحتل الإسرائيلي لفلسطين وخاصة القدس الشريف، أسوة بالحملة الأمريكية الذّبابية التحريضية اليائسة لمقاطعة البضائع الصينية وقوفاً إلى جانب الطرف الأمريكي في حربه التجارية على الصين بذريعة نصرة الأقلية الإسلامية الصينية الإغور التي لا نقبل لها بأن تضام من منطلق إنساني وليس دينيااً!ّ علماً بأنه لو قاطعنا البضائع الصينية لمشينا عراة قبل أن نجد البديل فالصين يسرت لنا سبل الحياة وخاصة التكنلوجية بأزهد الأسعار! ألسنا في ذلك نُخدع بسهولة من قبل الغرب!! لماذا هذه الازدواجية المقيتة!
هل ذنب نتنياهو مغفور لدينا علماً بأنه دمر غزة “المسلمة” لمجرد أن المفتي الشيخ أفخاي أذرعي وقف في تغريداته إلى جانب المسلمين السنة في حروبهم مع الأمم الأخرى متناسياً جرائم كيانه المجرم بحق الفلسطينيين!! لماذا إذا دارت طواحيننا لا تحدث إلا قرقعة دون طحن، وحروبنا دنكاشوتية لا نواجه من خلالها أعداءنا الحقيقيين، فقط نقارع طواحين الهواء!
وهل ترامب الذي يضيق الخناق في بلاده على المسلمين وفي العالم بات قوله مسموعاً!! لماذا يتنادى بعض شبابنا أو من يريد توريطهم من الذباب الإلكتروني في تغريداتهم إلى دعم الإغور بالمتطوعين وكأنها دعوة لإعادة إنتاج تنظيم القاعدة من خلال أفغنة مناطق الاقليات الإسلامية في العالم لاستحطاب شبابنا وقتلهم في وضح النهار!
لماذا لا نهتم بشؤوننا فلا يقتل المسلم أخاه المسلم في اليمن وليبيا وسوريا والسودان ثم ننبري لتحرير القدس التي تنازل عنها العربان لصالح صفقة لقرن!!
لماذا يصفنا الآخرون بأمة الازدواجية والفزعات التي تحركها الريح بدون بوصلة أو اتجاه!
هل فعلاً عقولنا تحتاج إلى إعادة برمجته حتى نستطيع تحديد من هو العدو الحقيقي وبالتالي ترتيب أولوياتنا في زمن يأنف الفوضى ولا ينتظر المضطربين!
لماذا لا نتغير في عالم سريع الحركة فنتصالح مع أنفسنا كباقي الأمم! وهل كتب علينا عشق الأقنعة في مسرح كل الوجوه على خشبته مكشوفة!
لماذا لا يشبه المسلمون في وطننا العربي إخوتهم في “غزة” وماليزيا أو تركيا على سبيل المثال!! قرفنا هذه الازدواجية! عجبي!
***
حصل المخرج السينمائي الفلسطيني رائد دزدار على جائزة الغصن الذهبي لأطول فلم وثائقي عن فلم “يافا أم الغريب” في مهرجان القدس السينمائي الدولي.. ونقول له ألف مبارك.. فتوثيق يافا بصرياً خطوة إلى الأمام في طريق النضال الفلسطيني، وإحياء الذاكرة الفلسطينية التي لا تبور.. وينتظر أن يعرض الفلم على نطاق أوسع..
***
البعض يخلط بين التفكيكية كمنهج فلسفي يساعد على قراءة النصوص خرج من عباءة البنيوية، أو اتجاه يساري تأويلي يفكك النصوص فيحذف من تفاصيل المعنى مالا يتوافق مع مرتكزات العقل وفق الرؤية المقدسة لحامل المشرط الإقصائي الذي يتقمص دور أشباه الآلهة..
التفكيكية استفادت من البنيوية ثم انقلبت عليها وهذا معروف.
فالبنيوية لا تنظر إلى أسباب وصول اللغة، بل تنظر إلى القواعد التي تضبط اللغة ووظيفتها وبناءها.
التفكيكية مصطلح قدَّمه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتابه “في علم الكتابة”، ومع ذلك لم يُعرِّفه في هذا الكتاب، ويمكن القول: إن التفكيكية منهجٌ فلسفي، يرى أنه لا يوجد تفسير واحد للمعنى في النص، بل تفسيرات غير محدودة، فبعد أن ظهرت التفكيكية إلى الوجود، أصبحت النصوص عُرضةً لنوع جديد من التحليل والتفسير.
وبينما يرى دريدا أن التفكيكية ليست نظريةً، يرى كثيرٌ من النُّقَّاد أنها طريقة جديدة لقراءة النصوص، ونموذج جديد للكتابة
في المحصلة المعنى هو حيز عمليات تفكيك بنية النص وتجاوزه يعد إيهاماً.. أما ما أثار التباسي فهو إدخال اليسار كغاية مطلقة وهذا تحصين مقدس للأيدولوجيات على حساب السرديات الدينية الكبرى، وهي عملية استبدال الغيبي المطلق بالوهمي المطلق!!
فقط هنا يقع الالتباس..
***
حارس الثلج
الثلوجُ تتراكمُ على الشرفاتِ.. تفترش الأرض حلتها البيضاء، وتسحلُ ندفُ الثلج على زجاج النافذة.. تلمستُ دفئَها وهي تغطي هذا القلبَ المليء بالهمومِ التي انحجبتْ عني في لحظات، واستشعرتُ بطفولتي تتقاذفُ كراتِ الثلجِ بشقاوة، تنفستُ عبقَ الطفولةِ وخرجتُ اقتفي أثري، أبحثُ عن ملاعبِ الصبا. وها هو الثلج يختلي بالأماكن ويذيب العمر في نبيذ النشوة كأنه لحظات تجترعها القلوب لتأخذنا إلى الماضي.
كانت ساعات الصباح الأولى والطرقات مكسوة بالثلج الدافئ.. وحيداً كنتُ أتجولُ كأنني طائرُ البطريق.. أتوقفُ قليلاً.. أتأملُ الغياهبَ التي تتلاشى إليها الطرقاتُ الضبابيةُ البيضاء؛ فتنبلجُ طفولتي يقودُها حارسُ الثلج.. نتعانق.. نركضُ بلا هدف.. أغرسُ رؤوسَ أناملي في طبقةِ الثلج الإسفنجية.. أكوِّرُها على قبضةِ ثلج دافئة.. أقلبُها والبهجةُ تغمرُني فأضحكُ كالصغار.. ثم أطوِّحُها على هدفٍ ما.. أعودُ أدراجي إلى البيتِ كمنِ اشتاقَ إلى أمّه، وهناك دلفتُ إلى المطبخِ ثم جهزت أدواتَ النحتِ من ملاعقٍ وسكاكينَ ومغارفَ ومواعين، كأنني ورثت شقاوة بيكاسو أو ماتيس.. ثم خرجتُ إلى الممرِّ المكسوِّ بطبقةٍ سميكةٍ من الثلج، وشرعتُ أُجلِسُ حارسَ الثلجِ على المسطبةِ متلمساً ملامحَهُ بأدواتي..
وفجأةً ايقظتني جلبةُ الأولادِ إذْ فتحوا بابَ الدارِ والدهشةُ مرسومةٌ على وجوهِهِم:
” أبي يصنع تمثالاً!!”.
فابتسمتْ طفولتي في وجوهِهِم المبتهجة، واستودعتُهم حارسَ الثلجِ كيْ يزيِّنوهُ بالإكسسوارات، والضحكة البريئة تستحوذ على ملامحي.. إذْ تركتُهُم يلعبونَ مع طفولتي؛ بينما دخلتُ الدارَ ولسع البرد يخدر أطرافي.. أخلع حذائي بيد مثلجة.. أتقدم من صوبة البواري كأنني سأحتضنها.. ثم استجيب لنداء زوجتي:
“تعال إلى المطبخ.. جهزت لك النرجيلة”
عبق المعسل المختلط بنكهة قهوة حبيبتي سيّل لعابي، كنت حينها مستأنساً بضجيج الأولاد في الباحة الخلفية.. كأنني لم غادر ملاعبهم.
وأخيراً دلفتُ إلى حيثُ كانت زوجتي جالسةً لنحتسيَ فنجانَ قهوتنا الصباحي بدت لي كزهرة غرستها الطفولة على جبين حارس الثلج.
هذه المرة لم تَشْكُ من انقطاع الديزل ولا نقص المواد لتموينية أو عودة الأولاد منهكين من شدة البرد، لأنني حضرت ما يلزم لهذه اللحظات الجميلة منذ ليلة أمس، استعداداً لهذا الزائر الجميل.. إلا أنني تذكرت شيئاً فيما كانت زوجتي تعلق همومها على مشجب الطفولة وهي تتأمل ندف الثلج خلال زجاج النافذة من مكانها:
“لدي رغبة في الخروج كي ألعب مع الصغار بالثلج.. هل تصدق بأنني اشتقت لتلك الأيام ونحن نتراكض خلف كرة الثلج وهي تكبر أمامنا حتى تشيخ فتتراخى لتستقر في الأسفل بحجمها المنتفخ، فيفتتها الصغار، ثم يتقاذفون بكرات الثلج”
قلت لها متحمساً:
“سنفعل ذلك معاً.. ولكن ليس قبل أن نشوي حبات الكستناء على المدفأة”
فابتهجت وهي تتساءل:
– إذن أحضرت معك بالأمس الكستناء؟
– من أجود الأنواع..
– أدركت بأنك لن تخذل رغباتي
حدث كل ذلك والرياح تتناوح في الخارج، وتفزع الأشياء فوق البيوت، وتصدر صفيراً كأنه منبعث من قطار العمر القادم من مرابع طفولتنا..
.
***
حينما يبتسم الطفل الغرير يضحك النهار.
***
اتفاقية وادي عربة مع العدو الإسرائيلي احتلال.. اتفاقية الغاز باطلة وعلى الشعب اسقاطها..
تتلحفين بتلاتِ الغسق عند الرحيل، يستيقظ السّمارُ على صوت المغني، وفانوس الليل يبحث عن معالم الفجر في عبق الحنين
25 ديسمبر 2019