ملف عن التطبيع “الناعم” عبر الفن و”الثقافة”
تقديم الطاهر المعز
تقديم:
نشرْتُ يوم 12 أيلول 2017 مقالاً بعنوان “هل الخيانة أو التّطبيع وجهة نَظر؟”، وعند مطالعتي اليومية للصحف بحثًا عن المادة التي تساعدني على إعداد نشرة الإقتصاد السياسي التي ينشرها موقع “كنعان” أسبوعيًّا، اطلعت على عدد من المقالات التي تتناول نفس الموضوع وتنحو نفس المَنْحى، ما دفعني لتجميعها وتقديمها، بهدف إطلاع القارئ على محتواها للإفادة…
عمدت الحركة الصهيونية منذ ولادتها إلى طمس تاريخ وثقافة (ووجود) الشعب الفلسطيني، والوجود العربي وكذلك الحضارات السابقة للحضارة العربية في فلسطين، وبما ان الصهيونية حركة استعمارية استيطانية فقد استفادت من أساليب الإستعمار البريطاني والفرنسي والإستيطان الدموي للغزاة الأوروبيين في أمريكا الشمالية (وأستراليا ونيوزيلندا…)، وجَنَّدَتْ أكاديميين وباحثين ومثقفين ومخرجين سينمائئين كبار في هوليود لتقديم اليهودي أحيانًا والصهيوني أحيانًا أخرى بمثابة المظلوم تاريخيا وبمثابة المُنْقِذ للإنسانية أو البطل “الخَيِّر” مقابل العربي “الشِّرِّير”، ولكن العديد من المثقفين المناضلين الفلسطينيين والعرب تفطنوا لأهمية هذه الجبهة الثقافية وتصدّوا لمخططات الكيان الصهيوني، ولم يحاول الكيان الصهيوني الرّد بالحجة على هؤلاء المثقفين “الثوريين” أو التقدميين، بل خطط (على مستوى رئاسة الحكومة وجهاز المخابرات) لاغتيالهم في البلدان العربية وفي اوروبا (فرنسا بالأخص، بتواطؤ مع مخابراتها، أي حكوماتها)، ومنهم غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار وماجد أبو شرار وغيرهم…
بعد التطبيع الرسمي المصري (كامب دفيد) وتطبيع قيادة منظمة التحرير -أي فتح أساسًا- (أوسلو)، فَتَحَ الكيان الصهيوني جبهة التطبيع الثقافي مع الكتاب والسينمائيين والأكاديميين العرب، بدعمٍ من الأنظمة العربية، وهذا النوع من التطبيع أخطر من تطبيع القيادات السياسية لأنه يستهدف الثقافة والتاريخ والوعي الجَمْعي، وكل ما لم تتوصل إليه عمليات التطبيع الرسمي مع مصر والأردن، لذلك اعتبره البعض “التطبيع النَّاعم”، الذي يستهدف العقول وغسْل الأدمغة والإنسلاخ عن التاريخ تدريجيا…
نُشِرَتْ هذه المقالات بعد ضجة في لبنان حول مخرج يحمل الجنسيتين اللبنانية التي ورثها بالولادة والفرنسية التي اختارها عن طواعية، وإن لم يكن أول المُطَبِّعِين ولا آخرهم، فإنه ذهب بعيدًا في مجال التطبيع والدّفاع عن التطبيع، بوقاحة وبعجرفة نادرة، أدت به إلى زَجْر أُمِّهِ أمام الجمهور، هذه الأم التي قال عنها مرارًا إنها أرضعته حُب فلسطين (قد يكون تعلم العجرفة من الفرنسيين أو الصهاينة أو من حزب الكتائب الذي أعد شريطا عن أحد أعنف رموزه)، في ظل “حياد” مُرِيب للقضاء وللمجتمع المدني وللأحزاب التقدمية وللساهرين على تطبيق القانون اللبناني الذي يمنع السفر والإقامة في فلسطين المحتلة، لكن هذا المخرج يسير على خطى سعد حداد وبشير جميل، لكن في المجال الثقافي…
الطاهر المعز 20/09/17