ملف بشتآشان…
الحقيقة الساطعة في بشتآشان كما هي… هذه هي الحقيقة…
رد على أكاذيب وتلفيقات نو شيروان مصطفي..
أحمد الناصري.
الحقيقة التي يراد لها أن تكون غائبة أو مغيبة أو منقوصة وملوثة، تصل الى الناس كاملة، كما هي، في نهاية المطاف، بعد كل اللف والدوران والصراع والخداع، مهما طال الزمن، ومهما حاول طرف أو نفر ما، جاهل بقوانين ونواميس التاريخ والحياة والذاكرة، أن يحجبها أو يغطيها بأردية يعتقد أنها سميكة وحاجبة لها، أو يحاول تعطيل مسارها الطبيعي، فهي تشق طريقها كانبثاق الوردة في الحجر، وتنطلق كالسهم المضيء، لتصل الى هدفها ومكانها النهائي مباشرة، باعتبارها حقيقة موضوعية دامغة، ووديعة تلقفها الزمن بعد حصولها، وضمها الى أرشيفه التاريخي الكبير. لذلك يمكن لنا أن نقول بكل ثقة وموضوعية، بأن الحقيقة لا يمكن حجبها برداء بائس مهلهل يرفعه شخص كاذب وملفق، مهما كان أسمه أو موقعه، تورط بفعل إجرامي مشين، بحق مجموعة وطنية، بالتنسيق مع النظام الدكتاتوري الاستبدادي، حسب كل الوثائق والوقائع والشهود، ما دام هناك ناس لا يتنازلون عن حق الشهداء وعن حقهم في قول الحقيقة كاملة.
الحركة والحزب والأشخاص الذين لا يهتمون بالفكر والعقل، بل يحتقرونه، ويحتقرون أصحابه، ويستخدمونهم كأجراء تابعين لهم، لخدمة سياستهم وأغراضهم، لا علاقة لهم بالمراجعات التاريخية والنقد الذاتي الحقيقي والمعمق وتقييم ودراسة التجارب والأخطاء الكبيرة والقاسية التي يرتكبونها، والأعتراف بها، والأعتذارعنها. فهم يعتبرون أنفسهم فوق النقد والمراجعة، بسبب القطيعة الأصلية بينهم وبين الفكر، وهم يعملون في مجال آخر براغماتي تطبيقي، لتحقيق أغراض سياسية تخص مجموعة معينة، وهكذا عمل وتجربة، ليس لهما صلة بالأهداف والمبادئ التي يتسترون تحتها، أو يتبجحون بها أو يرفعونها أحياناً أو خلال مرحلة معينة من العمل السياسي المباشر.
العجيب والمستهجن والمخزي، في أمر حقيقة أحداث بشتآشان المأساوية ومجزرتها البشعة، وخسائرها الكبيرة، ونتائجها على عموم العمل السياسي الوطني، ورغم وضوحها المطلق، بعد مرور ربع قرن من الزمان، أن يخرج علينا المجرم القاتل وجزار بشتآشان وقاتل الأسرى، حسب أوامر مباشرة لعصاباته ب (أن تكون أياديكم نظيفة) ليقدم رواية تافهة ومزورة، تتنافى مع أبسط الحقائق التي يعرفها تماماً مثلما يعرفها الجميع، بل حتى مع ما يقوله أفراد الاتحاد الوطني من عناصر قيادية وكوادر وشهود عيان، وبما سجله الشهود من الضحايا والمهاجمين على حد سواء، ولم يتجرأ أحد بعد كل هذه السنوات على التزوير الصريح مثلما فعل نو شيروان مصطفى في مقابلة خاصة مع قناة البغدادية يوم 16 آذار، ليؤكد من جديد أنه بعيد عن الموضوعية والجرأة والشجاعة (الثورية) التي يدعيها، وليؤكد على إصراره القديم والدائم لتمرير الجرائم الفردية والجماعية، التي كان يرتكبها ضد عناصر وكوادر الأحزاب الكردية، وداخل تنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) نفسه، وخاصة كوادر وتنظيم (كومله)، والتصفيات الشهيرة التي جرت في مدينة السليمانية، ثم تصفية العناصر التي نفذت تلك العمليات الخاصة من تنظيم ( كومله) الخاص أو الداخلي، وهو جهاز سري يشبه الى حد بعيد جهاز حنين نواة فاشية الدولة، بعد مطالبتهم بتسليم الرسائل السرية التي تتضمن أوامر وتوجيهات التصفية بخط نو شيروان، وهذه حقيقة تعرفها الدائرة الخاصة المحيطة به. كذلك حالات القتل الهمجي، من دون محاكمة، وبأدوات بدائية (الطبر والمعول) التي جرت في مناطق سركلو وبركلو، لعناصر اتهمت باتهامات معينة.
صحيح أن تفاصيل مجزرة بشتآشان ظلت منسية ومركونة بعيداً عن العرض والكشف وتوضيح الحقيقة الكاملة للناس، وبالأخص لعائلات الشهداء وذويهم ورفاقهم في تنظيمات الداخل، ولعموم شعبنا، بسبب حصول الجريمة في منطقة نائية ومعزولة خلف سلاسل جبلية، وخلف ربايا ومعسكرات وحواجز السلطة، وبسبب ضعف الوسائل الإعلامية وضعف الصلات التنظيمية والجماهيرية، وتعقد الأوضاع السياسية في بلادنا وتداخلها مع الحرب العراقية الإيرانية، وتوالي المصاعب والكوارث التي حلت بشعبنا ووطننا وصولاً الى الاحتلال ونتائجه الرهيبة، والذي شاركت به نفس القوى التي خربت الوحدة الوطنية والعمل الوطني، ولم تعمل بشكل حقيقي وصادق لحل مشاكلنا الوطنية الكثيرة، وهي تمارس نفس الدور التخريبي الضيق الى هذه اللحظة. كما كانت ركاكة القيادة اليمينية الشيوعية سبباً مباشراً في حصول الكارثة بتلك السعة والحجم من الخسائر البشرية والمادية، والسبب في السكوت اللاحق عن فضح وملاحقة القتلة.
كما أننا مجتمعات وشعوب لا تهتم بالأرشفة والتوثيق، وتعتمد على الذاكرة الشفهية، بينما تستولي مجموعات وأحزاب على وثائق عامة وتتصرف بها وفق مصلحتها الخاصة وليس المصلحة العامة، وهذا ما حصل في تجربتين كبيرتين، هما أحداث انتفاضة عام 91 العاصفة وبعد الاحتلال الأمريكي لبلادنا. فإن أي من الوثائق الهامة لم تكشف الى الآن، بصدد أحداث كثيرة وخطيرة حصلت لها علاقة مباشرة بالنظام السابق، ومنها مجزرة بشتآشان التي نفذها الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني ومساعده نو شيروان مصطفى، في 1 أيار عام 83، ضد مقرات الحزب الشيوعي العراقي (حشع) والحزب الاشتراكي الكردستاني ( حسك)، الواقعة في جبل قنديل، وسقط فيها عشرات الشهداء والأسرى، ومئات المنسحبين عبر سلسلة جبال قنديل الرهيبة، والاستيلاء على جميع المقرات الرئيسية، ووقوع خسائر مادية كبيرة.
أريد هنا أن أرد فقط على كذبة رئيسية واحدة، من مجموعة أكاذيب نو شيروان مصطفى، التي وردت في مقابلته مع قناة البغدادية، فهو يقول (بان الحزب الشيوعي العراقي كان ضمن تحالف (جود)( الجبهة الوطنية الديمقراطية) وان الحزب كان ضمن الجبهة العسكرية لهذه الجبهة، وان (جود) كانت تريد إقصاء الاتحاد الوطني الكردستاني عن ساحة النضال. وكذلك لم يكن الحزب الشيوعي العراقي المتكبد الأكبر للخسائر، وإنما هو ضخم الموضوع وأثار ضجة حول هذه العملية لان ماكينته الإعلامية أقوى من التي عند الآخرين.) كذا.. هذه رواية سطحية وفارغة، لكنها كاذبة وملفقة عن الجريمة، وتنطوي على تحريف كامل للحقيقة. وهذا جوهر الخلاف معه ومع الاتحاد الوطني، وهو كلام مردود عليه بكل الوقائع والمقدمات والتفاصيل والوثائق، وهو لا يستطيع إثبات كلامه الملفق هذا، ولا يستطيع الرد على الحقيقة الساطعة والثابتة، والتي تقول أن الصراع والقتال الداخلي، هو صراع وخلاف عائلات وشخصيات محددة، له أسبابه وجذوره القبلية والعائلية والعشائرية والسياسية، وهو صراع على نفوذ (الإقطاعيات العشائرية والعائلية المسلحة) الموجودة والمسيطرة على الحركة القومية الكردية، ومحاولة التقليل من نفوذ عائلة الملا مصطفى البارزاني، والبارزاني شخصياً، وهذا الصراع مرتبط بجهات حكومية وخارجية لها دور مؤثر فيه. وهو سابق على تواجد الحزب الشيوعي العراقي في الجبل بسنوات طويلة، تمتد الى بداية الستينيات، مع ظهور تكتل المكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وإبراهيم أحمد هو عراب جلال الطالباني ووالد زوجته هيرو، والذي قال لمجموعة من مريديه وتلامذته، في معسكر اللجوء في همدان الإيرانية، بعد تلقيه أسئلة واستفسارات حول مواقف وتصرفات حساسة، من (أن القيادة تعرف وتستخدم 100 باب في السياسة، وهي تمتلك مفاتيحها، بينما القواعد تعرف باب واحد فقط) وأكيد إن هذا الباب يبقى بلا مفتاح، أو إن مفتاحه بيد القيادة أيضاً!! وقد وصلت الخلافات الى إعلان تمرد مجموعة المكتب السياسي على الملا مصطفى البارزاني، ولجوءهم الى همدان في إيران الشاة والسافاك الإيراني، ثم التراجع وطلب العفو من الملا البارزاني، وحجزهم في (دولي رقه) وهروبهم اللاحق الى (بكره جو) وتشكيلهم ل(جحوش) وفرسان 66 بقيادة جلال الطالباني، وتفاصيل الصراع المسلح والسياسي بعد انقلاب 68، وصدور صحيفة النور، واستيزار عناصر محسوبة على الطالباني. وقد انهارت تجربة وتحركات جلال الطالباني تلك، بعد بيان 11 آذار 1970، وعاد جلال ومجموعته الى (البارت) وأصبح الناطق الرسمي باسمه في القاهرة حتى انهيار الحركة الكردية المسلحة عام 75، والذي سميت من قبلهم ب ( الآش بطال)، وإعلان تشكيل (الاتحاد الوطني الكردستاني) عام 75 في كازينو طليطله في دمشق، بقيادة جلال الطالباني، بعد توحيد ثلاث فصائل كردية. وشيء بالشيء يذكر، فان جلال الطالباني هو الذي كتب بخط يده، برقية التأييد السيئة التي أرسلتها الحركة الكردية الى انقلابي 63، وما أعقبها من تنسيق واتفاق مؤقت بينهما، وكأن كل شيء يجري ب (مصادفات محسوبة) ومسارات مقررة وثابتة ومقدرة، حول مواقف ومصائر البعض.
لقد حاول (الاتحاد الوطني) بين 76 و78 السيطرة على الساحة الكردية السياسية والإعلامية والعسكرية، ومنع عودة وتوسع (حدك)، الذي عاد تحت تسمية ( القيادة المؤقتة )، مروراً بمعركة هكاري التي حاولت (القيادة المؤقتة) ملاحقة وتطويق وتصفية مفرزة كبيرة من ( أوك) لنقل السلاح من سوريا عبر الأراضي الحدودية التركية، ثم تفاقمت المشكلة وتصاعدت وتعقدت، بعد التوسع والتداخل المسلح، مع التطورات السياسية في إيران واشتعال الحرب العراقية الإيرانية في أيلول عام 80، وهنا لعب ( الاتحاد الوطني الكردستاني) الدور التخريبي الأساسي، لفرض السيطرة والهيمنة على الساحة العسكرية والسياسية، ورفض كل الجهود والمبادرات للتوصل الى حل وطني ووحدة وطنية، وقد بذل الحزب الشيوعي العراقي جهوداً متواصلة للجمع بين الحزبين المتقاتلين، لكن الاتحاد الوطني كان يرفض المصالحة، الى أن جرت الصفقة المشينة بينه وبين النظام السابق، والتي كانت جريمة بشتآشان عربون دموي وهدية لا أخلاقية شنيعة، قوضت العمل الوطني، قدمها جلال الطالباني ونو شيروان مصطفى الى صدام حسين وبرزان، بعد لقاءات عديدة، ومنها لقاء باليسان بين قيادة ( اوك) بقيادة عمر دبابة وبرزان شخصياً. والدعم العسكري والتسليحي والمالي الكبيرين، الذي حظي به أوك من السلطة، وأستمر وتجدد الصراع بين أطراف الحركة الكردية، الى ما بعد الانتفاضة وتواصل المعارك الشرسة والتي راح ضحيتها آلاف، وسميت ب ( أم الكمارك) في دلالة بالغة على طبيعة الصراع، ثم استنجاد مسعود البارزاني بالقوات العراقية لطرد( الجلاليين) من مدينة أربيل عام 96، وفرض الاتفاق اللاحق بينهما، في مخادع ودهاليز المخابرات الأمريكية، ومن قبل زلماي خليل زاده وزملائه، بعد قرار الحرب والغزو الأخيرين. لكن جمرة الصراع والتنافس موجودة وكامنة في عقل وروح الحزبين الكرديين، والصراع الآن يأخذ أشكالاً عديدة، سرية ومكشوفة، وقد تشتعل وتتفجر جبهة التنافس في أية لحظة أو مع أي تطورات سياسية داخلية أو خارجية، أو لأي سبب تافه.
بعد هذا الاستعراض المكثف والسريع لحقيقة وتاريخ الصراع الداخلي، بين طرفي، أو أطراف الحركة القومية الكردية المسلحة، نستطيع أن نبين ونوضح الصورة الحقيقية لأحداث بشتآشان، ونضعها في مسارها الحقيقي، وليس الملفق، الذي يحاول نو شيروان تصديره لنا بعد ربع قرن من حصول الجريمة البشعة والغادرة، باعتبارها حلقة خطيرة من سلسلة المعارك والحرب الداخلية التي فرضها( أوك) على الجميع، لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بطبيعته وسياسته، ولفرض الهيمنة والسيطرة على الساحة العسكرية والسياسية، ومحاولة منع توسع وتطور فصائل الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الكردية الأخرى، وتطبيقاً لصفقة وشروط المفاوضات بين الاتحاد الوطني والسلطة الدكتاتورية، والتي اشترطت تصفية فصائل ومواقع الحزب الشيوعي العراقي.
كما قلت سابقاً فأن قيادة الحزب الشيوعي العراقي، كانت قد بذلت جهوداً مستمرة للمصالحة بين الأحزاب الكردية العراقية وغير العراقية، ودخل الحزب في جبهة (جوقد) التي ضمت الاتحاد الوطني الكردستاني الى جانب أحزاب عراقية كثيرة، ثم تشكلت جود لضم حدك لها، ولم ينحاز الحزب الشيوعي الى أي طرف بشكل عملي، وبقي يحتفظ بمسافة وتوازن ما في علاقته بجميع الأحزاب الكردية، وقد أقام اتفاقاً مع اوك في 6 شباط عام 83، أي قبل أقل من ثلاثة أشهر من أحداث بشتآشان، مما يعني أن مفاوضات ( أوك ) مع السلطة بشروطها وأهدافها المحددة موجودة وقائمة، وإن خطة الهجوم كانت معدة وموضوعة حتماً، وإن التوقيع على الاتفاقية جاء للتمويه والتغطية على الهجوم. وبقيت ثقة القيادة اليمينية للحزب ب( أوك) عالية حتى أيام التحشيد والتطويق لمقراتنا، فقد وصلت الى الحزب معلومات مؤكدة وموثقة حول قرار الهجوم، لكن القيادة لم تأخذ بها. ومرت قوات أوك التي طوقتنا الى جبهة دولي شهيدان ورزكة وآشقولكه، من بين ربايا الحزب، وعندما حاول مسؤول فصيل بولي منع هذه القوات من الاستمرار في مسيرها وتقدمها لتطويق مواقعنا، طلب مسؤولهم منه الاتصال بقيادة الحزب، وفعلاً جرى الاتصال وسمحت قيادة الحزب بمرورهم، ولست متأكد من أنهم تزودوا بالماء والطعام من مقراتنا التي سوف يهاجمونها بعد يومين أم لا؟؟. وعندما بدأ الهجوم الشامل على مقرات آشقولكه، وكانت على وشك السقوط، طلب الرفيق المسؤول عن المدفع 120 ملم السماح له بقصف القوات المهاجمة، فكان رد المكتب العسكري بأنهم قوى وطنية ولا يجوز قصفهم بمدفع ثقيل، وقد علق الرفاق فيما بعد، كان علينا قصف المهاجمين والرد عليهم بجميع الأسلحة المتوفرة، حتى لو كانوا بقيادة لينين نفسه، ما دامهم قد قاموا بالعدوان الغادر والجبان. وقد ورد في تقييم المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، لأحداث بشتآشان ما نصه ( أننا لم نقدر تحول قوى برجوازية صغيرة) كذا. ولا ادري كم مرة لم يقدروا تقلب وتحول (قوى برجوازية صغيرة أو كبيرة) الى عدو أو الى صفوف العدو؟ ذلك التقييم الإنشائي، الذي أعتبره عزيز محمد زائداً ومبالغاً فيه، حيث قال بعد وصوله الى منطقة بارزان من الخارج، كيف لقيادة أن تصدر هذا التقييم وتستمر في عملها، وهو تقييم غير واقعي لأننا خسرنا معركة فقط ولم نخسر الحرب.. كذا من التبريرات الخاطئة، التي لا تكترث بدماء الشهداء وتستخف بمصير الرفاق، وكأنه جنرال كبير يتحدث في خنادق الحرب العالمية الثانية. رغم ان القواعد الحزبية رأت وبحسها السليم، إن التقييم لم يكن غير (أسفنجة) لامتصاص غضب ونقمة الرفاق ليس إلا، وهو ليس للتطبيق في جميع الأحوال، بسبب عجز وتهرأ القيادة. وما قيمة تقييمات اليوم التالي، بعد وقوع الكوارث، وتكرارها الدوري، دون الاستفادة من الدروس والعبر والتجارب.
صحيح حصلت بعض المعارك والصدامات بين قوات حشع واوك، سبقت مجزرة بشتآشان، كما في معارك ورته وبتوين وباليسان وسماقولي، وغيرها من المعارك والصدامات المحدودة. وكان السبب فيها، هو سلوك ( أوك) الاقصائي والتطهيري والاستفزازي دائماً.
هناك قضية جوهرية ورئيسية، في الخلاف والجدل الدائر حول جريمة بشتآشان، أود تسجيلها وتثبيتها هنا، حيث أنني أستطيع التأكيد والجزم كشاهد على الأحداث قبل بشتآشان وبعدها، من أن قيادة الحزب الشيوعي لم تفكر ولم تناقش في داخلها أو مع الأحزاب الكردية، ولا مرة واحدة قضية أقضاء (أوك) أو الهجوم على مقرات قيادته الرئيسية، والحزب لم يضع خطة للدفاع أو للانسحاب من بشتآشان، فكيف به يخطط للهجوم على أوك أو إقصاءه، وكان الحزب يحتفل بعيد العمال العالمي، وقد ركن سلاحه في الشمس، وأدار وكشف ظهره، مطمئناً للحليف أو نصف الحليف آنذاك. وقد كان موقف الحزب ايجابياً من (أوك) في العموم حتى يوم الجريمة. كما إن الوثيقة التي عثر عليها في مقرات أوك في باليسان والموجهة من نوشيروان الى ملازم كريم، تكشف الخطة التفصيلية، لاجتياح مقرات بشتآشان، بينما لم يعثر أوك على وثيقة واحدة أو سطر واحد في مقرات القيادة، يشير الى مخطط لضرب وتصفية وإقصاء أوك. وهذا ما يدحض ادعاءات نو شيروان ويجعلها بلا قيمة، ويمكن التأكد من قيادة الحزب وقيادة الأحزاب الكردية الأخرى. ولم تكن قيادة الحزب الشيوعي تتوقع هجوماً على مقارها القيادية الرئيسية، وأقصى ما كانت، تتوقعه حصول هجمات متفرقة ومحدودة، على المقرات الثانوية في القرى والجبال الأخرى، ومن هنا كانت الخسائر جسيمة وباهضة، وهذا الاطمئنان للأطراف الأخرى، هو سلوك وخطأ مقيم وقديم في تربية القيادة اليمينية للحزب.
إن خطأ القيادة اليمينية المتخلفة، هو عدم قدرتها على قراءة الأحداث وسيرها، وعدم تقديرها ومعرفتها لنوايا (الصديق الطبقي) و( العدو الطبقي)، ودخولها للفخاخ بيسر قل نظيره، وسقوطها في كمائن ومصائد الأعداء، في كل مرة، وفي كل صراع. لأنها تسير باتجاه واحد لا غير، وبحسن نية ساذجة، تتعلق بكفاءتها وإمكانياتها المحدودة، ولا علاقة لها بالحس السياسي المطلوب، ولا تحسب حساباً لأي احتمالات أخرى. من هنا تكررت الكوارث والضربات في عام 63 وأعوام 69- 70 وعام 78 ومجزرة بشتآشان في 1 أيار عام 83؟؟ وكان على القيادة أن تبتعد عن أطراف الصراع تماماً، لعبثية الحالة وجذورها القديمة، مع أخذ الاحتياطيات اللازمة لصد أية ضربة، تأتي من هذا الطرف أو ذاك، ما دمنا قد حملنا السلاح، وحمل السلاح ليس لعبة ولا نزهة بسيطة، كما تقول التجارب والنظريات، وقد خرجنا للتو من كارثة الحملة الإرهابية الشاملة عام79. لكن الواقع كان شيء آخر أنتج مجزرة بشتآشان بسهولة نادرة، وسط الذهول والحيرة والارتباك والضياع والموت، في أودية وشعاب جبل قنديل الرهيب.
لقد كانت إذاعة أوك الحزبية تدفع وتبث حقدها الرهيب، بصوت مذيعها المبحوح الكريه، وتدعي تطهير المقرات من (القيادة التحريفية) بينما لاحقت وقتلت القواعد الوطنية والثورية في الحزب الشيوعي العراقي، وصفّت الأسرى من الشباب، وكرمت العناصر القيادية التي وقعت في أسرها، وفرضت عليها اتفاقية مذلة، لا يحق لهذه العناصر توقيعها، مثلما فعل عنصر قيادي آخر عندما كان معتقلاً عند السلطة عام 78، تفاوض مع الأمن العام، دون تفويض من أحد، متنازلاً ومتملقاً وطالباً السلامة الشخصية. بينما كانت القواعد الحزبية تدفع حياتها دفاعاً عن الحزب، وتسحق وتقتل بطريقة وحشية قل نظيرها في التاريخ.
أنني أعرف التاريخ المفصل لتشكيل منظمة (الكومله) واتجاهها الفكري وتجربتها السياسية والتنظيمية، كما أعرف دور الشهيد آرام ومجموعة التأسيس، وعايشت تشكيل أغلب المنظمات الكردية التي تبنت الماركسية، مثل تجربة ( كادحي كردستان – زحمت كيشيان) و( راية الثورة – آلاي شورش) ومنظمات كردية أخرى داخل وخارج كردستان العراق، واعرف تماماً طبيعة التجربة الماركسية التي يتحدثون عنها ومصيرها، ليس بالنسبة للجميع طبعاً، فهناك من كان ولا يزال مقتنع بالماركسية ويتبناها بشكل حقيقي لا لفظي، وقد أجرينا ( الشهيد ستار غانم راضي (سامي) وأنا)، حوارات ولقاءات فكرية مطولة ومكثفة مع جميع الأطراف في مدن وجبال كردستان القصية. والذي أريد أتساءل عنه، هو مصير الماركسية داخل ( كومله) والى أين أنخفض سقفها؟ وهل يتبنى نو شيروان شيء من الماركسية؟ وما هو موقفه من البرجوازية بكل أشكالها؟ وموقفه من الأمبريالية؟ وموقفه من رأس مال الجحوش الوافد من السلطة السابقة؟ وماذا يقول عن فقراء وجياع وكادحي كردستان؟ وما عساه أن يقول عن البطالة والنهب والفساد المسلح (المحمي بالسلاح) في كردستان؟ أسئلة كثيرة معروضة على نو شيروان وعلى الماركسيين الحقيقيين في (كومله)، وعلى كل المنظمات التي تبنت الماركسية أو مرت عليها، او مرت الماركسية عليها؟ أين وصلت وصارت ماركسية الكومله بقيادته؟ أم انه تناسى وتراجع عن كل تلك المواقف اللفظية والضجيج العاليين، وعاد (جلالي) عادي، بل ربما من الخط العريض (خط بان) المحافظ والرجعي، كما كان يوصف من قبل منظمة كومله الثورية والثوروية، باعتبار إن السياسة اليوم لا تحتاج الى فكر وثقافة، بل تحتاج الى صفقات وتخريب ولعب على الحبال والظروف الطارئة، كما هي عادة وحالة المعلم الأول جلال الطالباني ومدرسته.
هناك نقطة حساسة أو د التوقف عندها وتسليط الضوء عليها، وهي الحديث الدائم والمتكرر عن التوجه الواضح لدى اوك لتصفية الرفاق العرب في بشتآشان، وهذه قضية موجودة ولا يمكن إنكارها أو إغفالها، وهي ناتجة عن التربية القومية العنصرية الضيقة داخل اوك، وحصلت بأوامر، وخدمة النظام السابق أيضاً. لكن الصحيح والدقيق أيضاً، سقوط أعداد كبيرة من الرفاق الأكراد بين الشهداء في كل مواقع المعركة، وكذلك تصفية عدد منهم بعد أسرهم. وكانت خسائر (حدك) في بشتآشان الثانية المنسية كبيرة جداً، بسبب سقوط موقع (كاني كوتر) بيد (أوك). وأن الأعداد الكبيرة التي سقطت في القتال الداخلي وسلسلة المعارك الداخلية الطويلة والطاحنة (أقصد حرب أوك ضد الجميع) كانت كلها من الأكراد، خاصة من عناصر الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الاشتراكي الكردستاني وحتى حزب (الباسوك) الصغير، والمنظمات الماركسية اليسارية الصغيرة، والمجموعات الإسلامية في منطقة شهرزور وهورمان.
أما ما يتعلق بادعاء نوشيروان حول الماكينة الإعلامية الضخمة للحزب الشيوعي، فهذه نكتة سمجة ومقرفة. فعن أي إعلام وعن أية ماكينة يتحدث، وهل كان هناك إعلام واسع ومؤثر بالمعنى الطبيعي، ونحن في عزلة الجبل الملوث بدم الضحايا والحصار؟
وبالمناسبة فقد أنقذ الحزب الشيوعي العراقي حياة نوشيروان الشخصية، بعد إن وقع في أسر الحزب الاشتراكي الكردستاني، في منطقة السليمانية، وكاد أن يقتل ويصفى من قبل (حسك) بسبب الصراع الدموي بينهما، وثارات وجرائم عديدة أرتكبها نو شيروان بحق كوادر وعناصر الاشتراكي، منها قتل أحد كوادر الحزب الاشتراكي الكردستاني البارزة بالمعول، ومطاردة مفارز (حسك) أينما ذهبت. ووفر له الحزب الحماية الجسدية، بكفالته ونقله الى مكان آمن في مقراتنا، لكنه هرب من المقر، وحسب ذلك أنتصاراً ومغامرة، وتناسى ذلك الجميل وتنكر له في وقت لاحق، ليفتك بأسرى الحزب ممن أنقذوه. ويبدو أن هذه واحدة من شيمه وصفاته.
في هذه الذكرى الحزينة، أتذكر قافلة الشهداء، أتذكر وجوههم وضحكهم وأمنياتهم وصبواتهم وأحلامهم الجميلة، وأتذكر طموحاتهم وعوائلهم وتضحياتهم، وأتذكر المنسيين منهم، خاصة أبو عباس، المسؤول الاداري للفصيل المؤقت والجديد (فصيل تحت البطانية)، ولا أعرف أسم ولا عنوان ولا أي شيء عن هذا الشهيد الغريب.
حقيقة بشتآشان ساطعة وثابتة، وستبقى ساطعة وثابتة، مهما أهيل عليها من تراب الزمن والتناسي. وهي ليست حقيقة غائبة، وستظل تقض مضاجع القتلة والجزارين. وهي جريمة منسية أو مسكوت عنها من قبل البعض، بالرغم من أبعادها الوطنية والإنسانية والحزبية الكبيرة. وستكون أمام القضاء الوطني والعالمي، عندها يحق لنوشيروان أو غيره، أن يقول كل ما عنده في دفاعه، وسنقول كل ما عندنا في شهادتنا، أمام الشهداء وإمام شعبنا.
المجد لشهداء بشتآشان، والخزي والعار للقتلة.
* في الذكرى ال 25 لجريمة بشتآشان، كانت المساهمات كثيرة ونوعية، ونحن نتطلع الى المزيد من المشاركات والشهادات، وهي تؤكد حقيقة الحدث وقوته واتقاده المستمر. لقد تحركت الماكينة أخيراً، بعد صمت طويل غير مبرر، رداً على الخسة والصمت والتجاهل. فأين يختبئ نوشيروان ومجموعة القتلة. إن دماء الشهداء الطاهرة تطاردهم الى الأبد.
1 آيار 2008
الذكرى السنوية للعدوان الغادر والجبان على بشتآشان، ذكرى مرور ربع قرن على المذبحة.