ملاحظات على نتائج حرب العامين في غزة!
جمال الطاهات
اولاً: حسابات النصر والهزيمة..
لا توجد انتصارات مجانية. فكما أن للهزيمة نتائجها وتبعاتها وكلفها، كذلك الانتصارات، فإنها تنطوي أيضاً على خسائر مروعة. وكثيراً ما كانت كلف الانتصار لا تقل فداحة عما لحق بالمهزومين من خسائر. ربما أبرز مثال هو خسائر الاتحاد السوفياتي الذي انتصر في الحرب العالمية الثانية مقارنة مع خسائر ألمانيا المهزومة. وخسائر بريطانيا وفرنسا مقارنة مع خسائر ألمانيا. كما تعتبر حرب تحرير الجزائر مثال آخر. حيث دفع الشعب الجزائري ثمناً مروعاً، ولكنه انتصر. وكذلك حرب الثمان سنوات في فيتنام، وبعدها خسائر السكان الأصليين في جنوب أفريقيا في صراعهم لإلغاء نظام التمييز العنصري.
إذ تفرض الحرب نفسها كضرورة بغض النظر عن كلفها، التي تبقى أقل بكثير من كلفة الهزيمة. وبالتالي، فإن حسابات الكلف لا يمكن لها أن تكون هي المعيار الحاسم في تحديد النصر والهزيمة.
ثانياً: تناقص القيمة الحدية للتفوق العسكري..
النقطة الأبرز والملمح الرئيسي لنتائج حرب العامين في غزة، هي العجز عن تحقيق منجزات استراتيجية بالوسائل العسكرية. فهذه الحرب تثبت صحة قانون تناقص القيمة الحدية للتفوق العسكري، الذي تبدى في عجز إسرائيل عن تحقيق نصر حاسم، وكشف المقاومة العجز البنيوي والاستراتيجي لإسرائيل وعدم قدرتها على إنهاء الحرب بشكل منفرد بالاعتماد على القوة العسكرية.
دروس الحرب العالمية الثانية، حيث تمكن الحلفاء من تحقيق أهدافهم الاستراتيجية عبر التفوق العسكري، لا تنسجم مع واقع حروب التحرير. فليس مطلوباً من المقاومة الوطنية تحقيق منجزات عسكرية، ولكن مطلوب منها الاستمرار في المواجهة. صحيح أن موازين القوى لا تتيح لها التحكم بإيقاع هذا الصراع، ولا انهائه، ولكن، لديها ما يكفي من ميزات لإدامته والاستمرار به، شريطة تطوير الأدوات والوسائل المناسبة لاستثمار حصاد الحرب، واستخلاص مكاسب استراتيجية منها.
ثالثاً: الحرب تغير طرفيها..
الحرب تفتح الباب لتحول بنيوي في طرفيها، بغض انظر عن مساراتها ونتائجها الميدانية. وهذا ما يقدم للقوى المنافسة فرصاً ثمينة لاستثمارها. فالمعارضة الإسرائيلية لديها ما يكفي لتعزيز فرصها في الإطاحة بتحالف اليمين الحاكم واضعافه بشكل تاريخي، كما أن صور الدمار في غزة تقدم لمعارضي حماس مادة كافية لتعزيز خطابهم في سياق تنافسهم معها. ولكن نتائج هذا التنافس محكوم بقدرة المتنافسين على تطوير الأدوات المناسبة للتعامل مع نتائج الحرب.
حكومة نتنياهو تسعى لاستثمار منجزاتها العسكرية في لبنان وإيران. ولكن هذه الجبهات أكدت عجز التفوق العسكري الإسرائيلي عن تحقيق مكتسبات استراتيجية يمكن تحويلها إلى دعم شعبي داخل إسرائيل. في المقابل حققت حماس الكثير من المنجزات التكتيكية، اكان على صعيد التحول في الدعم الدولي لإسرائيل، أو على صعيد كشف خواء النظم الحاكمة في الأردن ومصر وغيرها. ولكن يبقى السؤال هل يمتلك أي من الطرفين القدرة على استثمار ما حققه من منجزات؟ أم أن ما تحقق في حرب العامين يقدم فرصة لقوى أخرى لاستثماره؟
رابعاً: التحول في سياقات الصراع..
فاعلية الحروب بكشف ميزات ومحدودية أطرافها، تدفع العديد من القوى لمراجعة تحالفاتها، إن لم يكن تغييرها، فعلى الأقل تغيير مضامينها وشروطها. مما يجعل كل حرب بوابة لخريطة علاقات قوى جديدة. فلا يمكن العودة إلى ذات علاقات القوى التي كانت سائدة في اليوم السابق لبدء تبادل النار. فلا أطراف الحرب تبقى كما هي، ولا علاقاتها وتحالفها تبقى على حالها.
انكشاف محدودية طرفي الحرب، يدفع الكثير من القوى الدولية والإقليمية ذات العلاقة للبحث عن مكاسب استراتيجية، مما يؤدي لانزياح سياق الصراع، ويفرض على طرفيه تغيير وسائلهم وادواتهم. فلم يعد ممكناً لأي من الطرفين (إذا توفرت إرادة وطاقات بنيوية لإدامة الصراع) أن يستمر في المواجهة ضمن السياقات والأدوات التي قادت لحرب العامين في غزة.
خامساً: تطوير الوسائل ضرورة لإدامة الجهد..
أحد أهم القوانين المركزية للنصر في كل التصورات الاستراتيجية عبر التاريخ هو: قانون القدرة على إدامة الجهد، لاستثمار التحولات التي نتجت عن الحرب. فالقدرة المركبة (إدامة الجهد وتطوير الوسائل والأدوات لاستثمار نتائج الحرب) هي من يقرر المنتصر من المهزوم. فالمنجزات الميدانية والتكتيكية مهما تعاظمت لا تتحول لمنجزات استراتيجية بشكل تلقائي. فهناك فرق نوعي ومكاني وزماني بين نتائج وحصاد العمليات العسكرية، والحصيلة الاستراتيجية لأي حرب. ببساطة حصيلة العمليات العسكرية تحتاج إلى مجهود خاص لتحويلها إلى مكاسب ومنجزات إستراتيجية.
ولكن النتيجة الصادمة لحرب العامين هو تجاوز ما تم توظيفه من وسائل وأدوات، وبروز ضرورة تطويرها ليتمكن أي طرف من إدامة الجهد حتى تحقيق النصر. التحولات التي فرضتها الحرب على سياق الصراع، واستحالة العودة إلى يوم 6 أكتوبر، تفرض تطوير وسائل وأدوات جديدة.
الميزة المهمة، التي تمتلكها إسرائيل هي ضعف الفضاء المحيط بها، وهي تحتفظ (إذا تغلبت على العوائق البنيوية التي تمنعها من تطوير وسائل وأدوات جديدة) بميزات المطرقة التي تضرب في سلة البيض. في المقابل تبدو حماس في وضع أفضل، فما تحقق من منجزات، يمنحها فرصة لأن تعيد بناء وسائلها وأدواتها لتستثمر الفرصة التي تشكلت ونضجت في نهاية حرب العامين في غزة، لإحداث تحولات كبرى في موازين القوى الإقليمية.
كلمة أخيرة:
من مأثورات الاستراتيجي الصيني صن تسو ما قاله قبل أربعة آلاف عام: مَن يعجز عن استيعاب نتائج الحرب يفنى، بغض النظر عن قوته. وحرب غزة التي فرضت سياقات جديدة للصراع، وأنهت معادلات القوى التي كانت سائدة يوم 6 أكتوبر، تفرض على من يريد الاستمرار في الصراع تجاوز الأدوات والوسائل التي صاغت وحددت نتائج الحرب. وهذا يفرض على أطراف حوارات النصر والهزيمة البدء بإجراء الحسابات العقلانية لمرحلة ما وراء حصاد العمليات العسكرية. فهذه الحرب تقدم فرصة استثنائية تشكلت بالدم والنار، والمطلوب تطوير القدرات الذاتية، لاستثمارها. ومن يعجز عن التطور لاستيعاب نتائج الحرب وتوظيفها سيفنى. ووعي ضرورة تطوير الوسائل والأدوات هو الخطوة الحاسمة لتجاوز المحدودية التي كشفتها الحرب.
2025-11-14