«مقاومة إرهابيّة» المقاومة الفلسطينيّة نموذجاً !(2) ثريا عاصي
أعتقد أن الذي قال أن زعماء الطوائف في لبنان إرتكبوا جرائم شنيعة ولكن طوائفهم تحميهم كان محقاً.
وفي نطاق أوسع لا شك في أن غالبية حكام بلدان العرب جعلوا الدين عباءة يخفون تحتها مساوئهم. ولو كان في دنيا العرب «رأي عام» بالمعنى الوطني والإجتماعي والسياسي والأخلاقي لهذا التعبير، لكانت البيانات الأميركية ـ السعودية عن الإرهاب مثار سخرية وتندر.
فلو رجعنا إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية، منذ أن بدأت الحرب على سورية، لجمعنا عدداً كبيراً من الأدلة والآراء التي تؤكد على أن الحرب على سورية هي كمثل جميع الحروب الإستعمارية الإستيطانية العنصرية الإقصائية يلجأ فيها المستعمرون إلى أسلوب التفزيع والترويع إرهاباً حتى يفر الناس من مواطنهم خوفاً من أن يـبادوا. ولولا المملكة السعودية وتركيا لما كانت هذه الحرب الإستعمارية!
فلقد ألمحنا في مقال سابق إلى قضية إختفاء المعارض الوطني السعودي ناصر السعيد في سنة 1979، في بيروت وأن الشبهات دارت آنذاك حول قياديين في حركة فتح الفلسطينية، الذي يـُعتقد أن جماعات تابعة لهم نفذت المهمة، لحساب المملكة السعودية وقامت بتصفية هذا المناضل، مقابل أجرٍ قال قيادي آخر في حركة فتح نفسها أنه كان مرتفعاً جداً.
أكتفي بهذا الإستطراد كنموذج عن عمل إرهابي وقع في بيروت ضد مناضل تقدمي وبالتالي مناصر للقضية الفلسطينية، من المحتمل أن الفاعلين كانوا ينتمون إلى إحدى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لأنتقل من بعد إلى محاولة تتبع السيرورة التي جعلت عملاً مقاوماً، أقصد هنا النضال التحريري من الإستعمار الإسرائيلي، يتضمن تقديم «خدمة إرهابية» إذا جاز التعبير، مدفوعة الأجر من المملكة السعودية، علماً أن هذه «الخدمة» لا تدخل مطلقاً في حيز المقاومة ضد المستعمر، بل بالضد من ذلك لقد ارتكبت لحساب جهة معادية جوهرياً للتحرير والتحرر الوطنيين.
ولكن التسليم بأن الجماعة التي اختطفت وقتلت المعارض السعودي ناصر السعيد هي فلسطينية، وأنها كانت تنتمي إلى «المقاومة الفلسطينية»، أحد فروع حركة فتح، وأن الغاية منها كانت التخلص من معارض سعودي من جهة وإرهاب أمثاله من المعارضين السعوديين فيخلدون إلى السكينة من جهة ثانية، أن التسليم بهذا كله لا يعني على الإطلاق أن المقاومة الفلسطينية ضد المستعمر الإسرائيلي، أي شكل من المقاومة، هي إرهابية. بل بكلام أوضح وصريح أن المقاومة الفلسطينية ضد المستعمر الإسرائيلي، أياً كان أسلوبها ووسيلتها، هي حركة تحرير، بمعنى آخر هي على النقيض من إرهاب وظلم وهمجية المستعمر!
الإشكالية هنا ناجمة عن كون العمل الإرهابي الذي راح ضحيته المعارض السعودي ناصر السعيد، والذي اتهمت بتنفيذه جماعة فلسطينية تابعة لأحد أجنحة فتح، لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالمقاومة الفلسطينية بحسب مفهوم مفاده أن علة وجود الأخيرة هي محاسبة المستعمر الإسرائيلي ومعاونيه على «الإرهاب والظلم» وإجبارهم على تعويض الفلسطينيين ما لحق بهم من أضرار.
هذا يوصلنا إلى لبّ المسألة. لماذا ينفذ «المقاومون الفلسطينيون» جريمة إرهابية ضد معارض سعودي ؟
ما هي طبيعة هذه المقاومة التي تتعدد فيها الأجنحة ومراكز القوى ؟
من هو هذا «المقاوم» المرتزق الذي يقتل معارضاً سعودياً، وكيف تجند في حركة المقاومة الفلسطينية ؟!
ما هي الضمانات التي تمنع هذا «المقاوم المنتحل صفة»، من إغتيال مقاوم فلسطيني أصيل، صاحب عقيدة وطنية أملت عليه بأن ينضم إلى حركة المقاومة من أجل أن يدافع عن شعبه.
لست هنا بصدد البحث في السياسة السعودية، وتحديداً في العلاقة التي تربط بين السعودية من جهة وبين الإستعمار من جهة أخرى والتي وجدت أفضل تعبير عنها في الأيام القليلة الماضية أثناء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض وفي خط سير الطائرة التي نقلته مباشرة من الرياض إلى تل أبيب.
ما أود قوله في الختام هو أن المملكة السعودية لعبت دوراً كبيراً من وجهة نظري في خلق خلايا إرهابية، في صفوف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، عن طريق إغداق الأموال إغراء على بعض المسؤولين الفلسطينيين، ولا شك في أن هذا حدث أيضاً في سورية مع وزراء وضباط سوريين، فأنشأ هؤلاء المسؤولون الفلسطينيون في داخل المقاومة، في صفوفها، جيوشاً لهم، تطوع فيها جنود جهلاء، عاطلون عن العمل، لم يتشربوا القضية الفلسطينية في أبعادها الوطنية والقومية وبالتالي لم يكون بمقدورهم السير على خطى المناضليين الفلسطينيين التقدميين المحبين لشعبها وللعدالة والمناهضين للمستعمر.
ولكن خلق الجماعات الإرهابية كان دائماً ديدن السلطات الرجعية العربية وفي مقدمها المملكة السعودية.
2017-05-29