علي رهيف الربيعي. رفاعة رافع الطهطاوي (١) بعد انتقال الخلافة إلى العثمانيين ( عام ١٥٧١ م ) أصبح الخليفة الذي يجمع السلطات في يده لقبا متوارثا اعتمده العثمانيون رمزا للسلطة الدينية ، كما تلقبوا بلقب السلطان رمزا إلى السلطة المدنية . وكانت تلك المرحلة وقفا في الفكر العربي إلى أن جاء الطهطاوي الذي قدم أول فهم حديث للسياسة ، ونقل التجربة السياسية الفرنسية في كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز وشرحها وفق رؤيته لها (١) . وأسهم في أهم المقولات السياسية العربية الحديثة كالحرية ، والوطن ، والتربية السياسية ، والإدارة ، ووظائف الحكم . لقد فهم الطهطاوي طبيعة النهضة السياسية بتقدم القوتين : الحاكمة والمحكومة ، مميزا بين القوى : التشريعية والقضائية والتنفيذية ، داعيا إلى ضرورة أن تكون دستورية ، إلا أنه ، بحكم علاقته مع محمد علي والي مصر ، رأى أن الحاكم في مصر لا يمكن أن يكون بيد الشعب ، وقبل بسلطة الحاكم ، لكنه ألح على الحد الذي تضعه له القواعد الأخلاقية ، فالشريعة فوق الحاكم ، ولا بد من أن يكون بين الحاكم والمحكوم علاقة حسن الطاعة وحسن الإرضاء : ” فالملك يتقلد الحكومة لسياسة رعاياه على موجب القوانين ” (٢) . وهو يندد بالملك الذي يستعبد رعيته : ” إن الملوك الذين لا يهمهم سوى أن يرهبهم الناس ، فيستعبدون رعاياهم لجعلها أكثر خضوعا ، إنما هم وباء الجنس البشري ” (٣) . فلا يحق للملك أن يمنع الناس حقوقهم : ” كل عضو من أعضاء جمعية المملكة يرخص له أن يتمتع بجميع مباحات المملكة ، فالتضييق عليه في ما يجوز فعله من دون وجه مرعي يعد حرمانا من حقه ، فما منعه من ذلك من دون وجه يكون متعديا على حقوقه ومخالفا لأحكام وطنه ” (٤) . إلا أن الطهطاوي لا يخبرنا من الذي يضع تلك المحظورات ، هل هو الملك ؟ والوجوه المرعية ، هل يحددها الملك بحسب ما يرتئيه من قوانين ، أم يحددها الشعب ؟ إن الطهطاوي أهمل دور الشعب في المشاركة بالحكم ، وطالب بحكم فرد ” إن ولي الأمر هو رئيس أمته ، وصاحب النفوذ الأول في دولته .. إنه خليفة الله في أرضه ، وإن حسابه على ربه ، فليس عليه في فعله مسؤولية لأحد من رعاياه ” (٥) ، فحكمه مستند إلى حق إلهي ، ولا يمكن أن يراقبه أحد في ما يعمل . لقد كان الطهطاوي شجاعا في تخليص الابريز ( عام ١٨٣٤ م ) ، لكنه تراجع في مناهج الألباب ( عام ١٨٦٩ م ) أمام سلطة الحاكم ليجعله مسؤولا أمام ذمته ، وأمام الله فقط ، ولا مسؤولية عليه أمام الشعب ، إلا أن الطهطاوي ، على الرغم من ذلك ، حاول التصدي لنمط الحكم الشرقي في التفرد الاستبدادي بالسلطة ، عن طريق أغراء الحاكم بحكم شعب من الأحرار : ” فمن ملك أحرارا طائعين ، كان خيرا ممن يملك عبيدا مروعين ” (٦) . من البين أن الطهطاوي لم يستطع التخلص من فكرة ” مملوكية الشعب ” التي تتضمن معنى الخظوع للمملوك تجاه مالكه ، مما جعل خير الدين التونسي يحاول أن يتخلص منها في ما بعد . يتبع المصادر : (١) رفاعة رافع الطهطاوي ، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي ، دراسة وتحقيق محمد عمارة ، ( بيروت : المؤسسة العربية ج ٢ ص ٦٣-١٥٩ . (٢) المصدر نفسه ج ١ ص ٣٥٢ . (٣) الطهطاوي ، المصدر نفسه ص ٢٩٠ . (٤) رفاعة رافع الطهطاوي : المرشد الأمين للبنات والبنين ( القاهرة : ) (٥) مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ، ص ٢٠٢ (٦) الطهطاوي الاعمال الكاملة ج ١ ص ١٦١ 2019/01/24