مفهوم الاستبداد على يد مفكري اليقظة العربية !
خير الدين التونسي (٢) .
علي رهيف الربيعي .
إن خير الدين التونسي يدين الاستبداد بالسلطة ، ويرفض حكم الفرد : ” والمهم أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد ، كائنا من كان ، وعلى أي حال كان ” (١) . وينادي بضرورة تقيد الحاكم بالشريعة منزلة أو عقلية ، وبالمشورة من العلماء والأعيان لردعه عن عمل السوء . ويرى أن المصلحة العامة هي معيار الصلاح ، و ” معلوم أن تصرف الإمام في أحوال الرعية لا يخرج عن دائرة المصلحة ” (٢) . أما المصلحة الشخصية للحاكم ، فهي دليل الفساد : ” وقد ازدهرة الأمة الإسلامية حين جرت سياستها على مقتضيات المصلحة العامة ” ، وتأخرت حين ” تصرف بعضهم بحسب الفوائد الشخصية لا باعتبار مصلحة الدولة والرعية ” .
والاستبداد هو عدم اعتبار رأي الجماعة ، ومن هنا فهو ” الحكم تحت تأثير الهوى الشخصي والتصرف بمقتضى الشهوات ” (٣) . إلا أن التونسي يجعل أهل الحل والعقد مجرد مفوضين للتصرف باسم السلطان ، فيقع في ما لا يحبه .
بعد ذلك ، جرى تطوير مفهوم الاستبداد على يد الأفغاني ، حيث شرح رأيه قائلا : ” بالقوة المطلقة الاستبداد ، ولا عدل إلا مع القوة المقيدة ” (٤) . والاستبداد يعني غياب القوانين ، حتى وإن كانت هناك مجالس نيابية ، فهذا لا يعني غياب الاستبداد ” إن القوة النيابية لأي أمة كانت ، لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي ، إلا إذا كانت من نفس الأمة . وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية .. فاعلموا أن حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثها ” (٥) . فالمجلس الحقيقي يجب أن تشكله الأمه نفسها ، وإلا فهو مجرد مظهر شكلي لا قيمة فعلية له . فالاستبداد هو حكم الفرد الذي لا يشرك الأمة في الحكم ، فيظلم ويستغل ولا يستند إلى قانون ، و ” الإنسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه إلا القانون الحق المؤسس على دعائم العدل ، الذي رضيه لنفسه ” (٦) . أما عدا ذلك ، فيكون واقعا تحت ضغط الاستبداد ، ومحكوما بملك لا يراعي القانون . والأفغاني يطالب باجتثاث الوباء ، فالملك إذا حنث بقسمه وخان الدستور ” فأما أن يبقى رأسه بلا تاج ، أو تاجه بلا رأس ” (٧) . هكذا يجيز الأفغاني الثورة لدفع الاستبداد ، فإما أن يتنازل المستبد عن الحكم ، وإما أن ينحى بالقوة .
يتبع
المصادر :
(١) خير الدين التونسي ، مقدمة كتاب أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك ، تحقيق ودراسة معن زيادة ( بيروت : دار الطليعة ، ١٩٧٨ ، ص ١٢٠ .
(٢) نفس المصدر ص ١٧
(٣) جمال الدين الأفغاني ، الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني : مع دراسة عن الأفغاني الحقيقة الكلية ، تحقيق ودراسة محمد عمارة ( القاهرة : المؤسسة المصرية العامة ، ١٩٦٨ ص ٢١
(٤) المصدر نفسه ، ص ٤٧٣ .
(٥) المصدر نفسه ص ٢٧٩-٢٨٤ .
(٦) المصدر نفسه ص ٣٣
(٧) الأفغاني ، المصدر نفسه ص ٢١
2019/01/25