معبر رفح والوصاية الاميركية عليه!
رنا علوان
بادئ ذي بدء ، تُعتبر رفح من المدن التاريخية والعريقة ، يعود عمرها لأكثر من زُهاء الخمسة آلاف عام ، وعرفت المدينة بأسماء مختلفة حتى سماها العرب رفح
في عام 1917 خضعت رفح للحكم البريطاني الذي فرض الانتداب على فلسطين ، وفي 1948 دخلها الجيش المصري وتحولت السيطرة عليها إلى مصر ، حتى وقعت في أيدي العدو الصهيوني عام 1956 ثم عادت للإدارة المصرية عام 1957 حتى عام 1967 حيث احتلها العدو من جديد
تم توحيد المدينة لفترة وجيزة في أواخر القرن العشرين بعد احتلال القوات الإسرائيلية لقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء في حرب عام 1967
في عام 1982 اعيد تقسيمها مرة أخرى عندما انسحب العدو الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء وفق تنفيذ معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية التي وقّعت عام 1979 ، وطبقًا لها سُمي المعبر (“بمحور فيلادلفيا” أو صلاح الدين)
واستعدادًا لانسحابه من سيناء ، قام العدو الإسرائيلي ببناء معبر رفح الحدودي جنوب المدينة على طول الطريق الرئيسي بين مدينة غزة والعريش المصرية ، وسيطر على المعبر حتى انسحابه من قطاع غزة عام 2005
ادى هذا التقسيم الذي جرى عام 1982 لحدوث ضجة كبيرة ، حيث وصفه البعض حينذاك بـ “المفارقة الكبرى” وقال البعض [ أن رفح وحدتّها الحرب … وقسّمها السلام]
أما من ناحية المساحة ، فلقد بلغ الشطر الواقع في غزة ثلاثة أضعاف مساحة الشطر المصري تقريبًا ، وقد قامت كل من مصر والعدو الإسرائيلي بإقامة منطقة عازلة على طول الحدود
لم يستسلم أهل رفح لهذا الحصار ، فبدأوا بحفر الأنفاق للتحايل على القيود [الإسرائيلية والمصرية] المفروضة على عبور الأشخاص والبضائع ، ولقد تم حفر بعض الأنفاق على عمق يصل إلى 15 مترًا تحت الأرض
وبذلك أصبحت الأنفاق في رفح بمثابة شريان حياة لتهريب البضائع الحيوية إلى قطاع غزة ، خاصة بعد أن فرض العدو تشديدات كبيرة على القطاع في عام 2007 ، بعدها اشارت بعض التقارير إلى أنه تم استخدام الأنفاق لتهريب الأسلحة إلى القطاع أيضًا
غزة المحاصرة التي تعيش سنوات عجاف تجاوزت السبعة بكثير ، اليوم في طوفان الأقصى وفي ظل هذه الحرب الهمجية والهجينة التي لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً ، لِمَ ابدته من عهر اميركي قبل ان يكون صهيوني ، فالوحشية وصمة يتسم بها كل منهما ، لكن مخالفة الاعراف والشرائع الدولية والكذب والنفاق والتحايل على مرآى العالم اجمع والاستخفاف بالعقول ، هذا الذي يجب ان يوضع له حد فالتمثيل الهولودي اصبح مثير للسخرية ، ما يضع نصب اعيننا سؤال [ لماذا يصرّ نتنياهو على ورقة رفح بموافقة الشيطان الأكبر ؟!؟ ]
ان كل ما نفذه العدو الإسرائيلي بدعم اميركي مُطلق من عدوان وحشي على قطاع غزة ، طيلة الأشهر السبعة الماضية ، كفيلة ان تثبت بشكل قاطع ، أن سحق حماس غير ممكن عمليًا ، وبإعتراف مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية الغربية ، و”قادة إسرائيليين عسكريين سابقين” فـالمقاومة الإسلامية “حماس”، تمتلك فكرًا ، وعقيدة ، يحكمان مسارها ، وممارساتها الحياتية بالعموم ، وفي القلب منها رؤيتها للقضية الفلسطينية ، التي ترتكز على فكرة “المقاومة”، لتحرير الأراضي الفلسطينية والثابت تاريخيًا ، وكما هو معلوم للجميع ، أن الأفكار والعقائد لا تموت ، وان مات دُعاتها ، أو أصحابها ، كذا حماس اليوم فهي اصبحت إيديولوجية ليس من السهل القضاء عليها
يرفض نتنياهو واميركا ان يستفيقوا من تروما طوفان الأقصى ، واستيعاب معطيات الواقع الميداني في قطاع غزة ، وفشْل “جيش الاحتلال” في تحقيق انتصار عسكري ذي قيمة ، طوال حربهما على القطاع لأكثر من 217 يومًا
ومع الفشل الذريع في تحقيق “الأهداف” التي حدّدها نتنياهو بغبائه الشديد حيث قيّد نفسه بها ظنًا منه ان بها المخرج لورطته ، حيث لم ينجح سوى في الإبادة الجماعية لسكان غزة ، وتدمير سُبل الحياة ، وهذا النجاح في الاجرام ليس امتياز لنتنياهو بل هو يدخل في اساس وتكوين هذا الكيان اللقيط الذي اسسته مجموعات ارهابية كالهاغانا وغيرها
فلجأ نتنياهو ، الذي يأس من افلاسه السياسي والاجرامي إلى إشهار ورقة “اجتياح رفح” جنوب قطاع غزة ، والتلويح بها ، بهدف الضغط على “المقاومة الفلسطينية”، بُغية تليين موقفها التفاوضي ، وإرغامها ، على القبول بإملاءاته ، وشروطه لوقف إطلاق النار ، وعلى رأسها استعادة الأسرى الإسرائيليين ، الذي ضرب بحياتهم عرض الحائط بعد ان امر بتنفيذ قانون هانيبال او الارض المحروقة ، ما يدل على ان ارواح مرتزقتهم لا تعني لهم شيئًا ، ما يهم فقط هو مصالح الشيطان الأكبر في المنطقة ، لهذا سارع منذ اليوم الاول للتّدخل في هذا الصراع والذي لولاه لنهزم العدو في ايامٍ معدودات ، وهو فعليًا انهزم ، ففي سابقة للعدو الإسرائيلي ، وجه رئيس الأركان هرتسي هاليفي رسالة تحذير لنتنياهو عممها على وسائل الإعلام ، جاء فيها : لقد تلقينا ضربة موجعة
وقالت القناة الـ13 الإسرائيلية إن رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي بعث “تحذيرًا دراماتيكيًا” لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة
وأكدت القناة -في تدوينة على موقع إكس- أن هاليفي قال في رسالته لنتنياهو “أنت تستمر في العودة إلى العمل العسكري لأنك لا تتخذ قرارات”
وفي وقت سابق ، اتهم الرئيس السابق لشعبة العمليات في مديرية العمليات في الكيان الإسرائيلي المؤقت الجنرال جادي شامني ، (الحكومة والجيش يقومان بتعريض الجنود للأذى لأسباب سياسية)
وأضاف شامني في تصريح لصحيفة “يديعوت أحرونوت” أن دخول رفح أمر سياسي بحت ، بسبب خوف نتنياهو من انهيار التحالف الحكومي
وأردف قائلًا “السؤال هو : عند أي نقطة، يجب على رئيس الأركان أن يطرق على الطاولة؟ وربما يخرج إلى العلن؛ لأن إرسال الجنود إلى المعركة، لأغراض سياسية ، هو تجاوز لجميع الخطوط الحمر”
بدورها ، أفادت صحيفة “معاريف” نقلاً عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن عدم وجود تحرك سياسي مصاحب للقتال يجعل من الصعب الاستفادة من الإنجازات العسكرية للحرب ، وأشارت المصادر نفسها إلى تزايد انتقادات الجيش الإسرائيلي للقيادة السياسية لعدم اتخاذ قرار بشأن اليوم التالي في غزة
( ان افتقار العدو الصهيو-اميركي الى خطة بشأن اليوم التالي ، هي لإدراكهم اولاً ان من يتحكم في مسار هذه الحرب وقواعد الإشتباك هم المقاومة الإسلامية حماس ومحور طوفان الأحرار المُساند لها ، وثانيًا ان اي تراجع من جهة الصهيو-اميركي والرضوخ لشروط حماس دونما تحقيق اي انجاز ، يعني اقرارًا بالهزيمة ، والإقرار بالهزيمة هي بمثابة ضربة قاتلة وتقضي على “هيمنة القطب الواحد” الذي بات يقف على شفا جرفٍ هار ) فهذه الحرب الوجودية لا تقتصر فقط على اللقيط الصهيوني
وفي سياق متصل ، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن أهالي 600 جندي بعثوا رسالة إلى قيادات الجيش يعارضون فيها اجتياح رفح ، وأكد أهالي الجنود في رسالتهم أنهم لا يثقون في قيادة الجيش ولن يقفوا مكتوفي الأيدي وأبناؤهم في خطر
وبدورها ، نقلت صحيفة معاريف عن أمهات بعض الجنود الإسرائيليين الذين عادوا للقتال في جباليا وحي الزيتون أن الشعور بالإحباط يتصاعد في صفوف أبنائهن المجندين وهم لا يثقون في القيادة ويشعرون أنه يتم التلاعب بهم في لعبة سياسية وضيعة
وأضافت إحدى الأمهات للصحيفة أن أبناءهن المجندين يشعرون بغضب شديد من القيادة التي لم تستخدم تضحياتهم الهائلة لاستعادة الأسرى ، كما اتهمت القيادة الإسرائيلية بالمماطلة في اتخاذ القرارات لاعتبارات سياسية وهو ما يمكّن حركة حماس من الإنتصار ، ويؤدي إلى مقتل وجرح مزيد من الجنود في الأماكن نفسها ، حسب تعبيرها
حالةُ الانقساماتِ والتفكًكِ والصّراعِ الداخليّ ، وانقلابُ المرتزقة على الكيان ، ناهيك عن “الخلل الكبير جدًا” في المستوى الإستراتيجي والعملياتي لدى العدو الإسرائيلي بحسب خبراء عسكريين ، لهي دلائل واضحةٌ عن انهزامِ العدو
، يُقابله انتصار وصمود للمقاومة الفلسطينية ومحورُ المقاومةِ ، وهو أمرٌ سوفَ يؤسّسُ لمرحلةِ نفوذٍ قادمةٍ ، لا يمكنُ لهذا النفوذ أن يستقرّ دونَ حصّةٍ وافيةٍ ينتزعُها المحورُ على المستوى الدوليِّ والإقليميِّ
يدرك العدو الصهيو-اميركي صعوبة ما يواجه ، حيث ان اي خطوة لهم بمثابة التحرك في حقل الغام ، وبما ان الشيطان الأكبر يُعد أكثر عقلانية من اللقيط ، ” ممكن بحكم العمر ” حاول بأسلوبه الماكر التواجد على ارض العركة في غزة ، لكن ليس بالاسلوب الذي دخل به العراق لسرقة ونهب ثرواته ، او اي بلد آخر ، فالوضع القائم لا يحتمل المُزايدات ، لذلك لبس لباس الحمل الوديع الذي يريد مدّ يدّ المُساعدة والعوّن لأهل غزة ، وبما ان الذئب ليس بريء من دم اهل غزة كما يحاول الكذب ، تراجع عن فكرة المرفأ الانساني العائم ، الذي ادعى انه بُغية تقديم المساعدات ، بسبب احوال الطقس ، ولعله دَرسَ خطة اخرى يكون فيها اكثر مكرًا ، وهي الاستيلاء على معبر رفح ، للمضي قدمًا في ترتيبات تهجير الشعب الفلسطيني ، بعد خلق ظروف مستحيلة للحياة الإنسانية للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية
أما ما قالته صحيفة هآرتس الإسرائيلية ، ان هناك تفاهمات بين إسرائيل ومصر والولايات المتحدة تقضي بتولي شركة أمنية أميركية خاصة إدارة معبر رفح ، بعد انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في المدينة الواقعة على الحدود مع مصر
وذكرت الصحيفة أن الدول الثلاث اتفقت على هذا الأمر ، لكن لم يتضح بعد أي شركة ستتولى إدارة المعبر
ناهيك عن الحديث حول مدينة جديدة تحمل اسم السيسي ، ويخطط لبنائها على موقع قرية العرجة جنوب رفح المتاخمة للحدود المصرية الإسرائيلية
بعد ان عقدت القبائل اجتماعات لها قبل الإنشاء المثير للجدل على الجانب المصري من رفح بقيادة رجل الأعمال الموالي للحكومة وزعيم المـيليـشيا إبراهيم أورغاني
لقد باتت غزة اليوم تقبع تحت حصار مطبق ودامـي ، فاليوم نتيجة سيطرة العدو على المعابر ، اصبح القطاع يعاني من شح في كل شيء وخاصةً مادة الفيول اللازمة لإبقاء المستشفيات على رمقها ، وعلى ما يبدو انه لا رادع لهذا الشيطان الأكبر الذي لن يتراجع عن تحقيق مصالحه في المنطقة او الخروج منها خالي الوفاض ، وان كل ادعاءات الشيطان الأكبر ، وجولاته المكوكية المكثفة عبر وزير خارجيته [أنتوني بلينكن] إلى الشرق الأوسط ، ليست جدية وصادقة ، وما هي سوى مساعٍ لابتكار أساليب محددة للمناورة والتسويف وشراء مزيد من الوقت ومنح اللقيط مزيدًا من المساعدات ، كي يقوم بمهمته القذرة في إبادة الشعب الفلسطيني ، كما فعل هو سابقًا فالبيت الابيض تم اشادته فوق جثث السكان الاصليين ، وهذا ليس (كلامًا مجازًا يُقال) ، بل حقيقة وردت في مذكرات روزفلت الذي امر ببناء مسبح في حديقة البيت الأبيض ، ان الغرب الذي اخترع النفاق العالمي المُتمثل بالمنظمات للدفاع عن الحريات ، مثلهم كمثل باغية اخذت تُحاضر بالعفة كي تفقد العفة جوهرها الحقيقي ، وراحت تُطالب بالسلام ، فأي سلامٍ هذا ، سلام الاسلحة المحرمة دوليًا والابادة ، وسرقة الاراضي والمُقدسات
2024-05-14
