“مزرعة الحيوانات” بعد ثمانين عاماً:
عن الثورة كـوهمٍ والخيانة كـحتمية
في الذكرى الثمانين لصدورها، تُثبت رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل قدرتها المذهلة على تحدي الزمن، متجاوزةً قيمتها كوثيقة تاريخية لتظل أداة تحليل حية وقاسية للطبيعة الإنسانية
سعيد محمد*
لعقود، دأب النقد التقليدي، مدفوعاً بإرشادات مؤلفها جورج أورويل نفسه، على قراءة “مزرعة الحيوانات – 1945″، هذه “الحكاية الخرافية” كأداة تشريح دقيقة ومباشرة للثورة الروسية وانحرافها نحو ما تلاقى اليسار الغربي والدعاية الأمريكية على تسميته بشموليّة الستالينية.
لكن لماذا بقيت هذه الرّواية حية ومتداولة بينما اندثرت أعمال أخرى صَدَرت في العام نفسه، وبعدما انتهت الحالة الستالينية بل وسقط الاتحاد السوفياتي وخضع العالم لهيمنة ديكتاتورية (العالم الحر)؟ الإجابة تكمن، كما هو الحال مع كل عمل ارتقى إلى الكلاسيكية، في قدرتها على تجاوز سياقها المباشر وتشريح “الحالة الإنسانية” التي لا تتغير: شهوة السلطة الجامحة، خوف المواطنين المردوعين، والفساد الممنهج، وآليات القمع والهيمنة، ومرض البشر الأبدي بالأمل بغد أفضل.
إن إعادة قراءة الرواية اليوم، من منظور نقدي معاصر، يتطلب تجاوز الربط الموجه والمباشر بستالين، للغوص في تحليل أعمق لكيفية عمل الطغيان، وديناميات الثورة، وحتمية خيانة النخبة. هذا النص ليس مجرد هجاء لتجربة تاريخية انقضت، بل تشريح دقيق لـ “آليات” الانحراف الثوري، وتحذير عابر للأزمنة من بيروقراطية الدولة ما بعد الثورة، وفحص دقيق لكيفية استخدام “اللغة” كسلاح لتدمير الوعي الجماعي.
ميكانيزمات الخيانة: البيروقراطية كطبقة جديدة
تُظهر الرواية ببراعة كيف يمكن للثورة أن تأكل أبناءها، ليس بالضرورة عبر مؤامرة خارجية، بل من جراء خيانة النخبة الثورية التي قادتها قبل أن تشكل طبقة حاكمة جديدة لدى استلامها للسلطة.
بدأت الثورة في “مزرعة الحيوانات” بحلم نبيل وعادل لـ “أولد ميجور”: عالم بلا استغلال، حيث “جميع الحيوانات متساوية”. مطالب بسيطة وعادلة بالحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد. لكن ما ان تسلم الخنازير السلطة حتى بدأت معالم الخيانة بالظهور: أولى تلك المعالم لم تكن سياسية بل اقتصادية بحتة: اختفاء الحليب والتفاح. وعندما اعترض شعب الحيوانات، برر الخنزير “سكويلر” (وزير الثقافة) ذلك بأن الخنازير (هيئة تحرير المزرعة التي أصبحت تقرر) يحتاجون تلك “الأغذية” ليقوموا “بعملهم الذهني” في حماية المزرعة. لقد تحول فائض الإنتاج من مِلكية جماعية إلى امتياز طبقي حصري للبيروقراطية الجديدة.
لم تعتمد الخنازير بعد استلامها السلطة على الإقناع وشعارات الثورة فحسب. بل قام نابوليون ببناء “جهاز الدولة القمعي” الخاص به (الكلاب التي رباها سراً)، والتي تمثل “الأمن العام” أو الجيش العقائدي الجديد الموكل بضمان الولاء للنخبة بالقوة المطلقة. بالتوازي، كان “سكويلر” يمثل “جهاز الدولة الأيديولوجي” (الإعلام، التعليم)، ومهمته ليست فقط تبرير تفاوتات الحاضر وتبخّر الشعارات الثورية، بل وإعادة كتابة الماضي بشكل ممنهج (تحويل سنوبول بطل الثورة إلى خائن منذ البداية).
“الحقائق الأساسية” ضد الأيديولوجيا
غالباً ما تُستخدم “مزرعة الحيوانات” كسلاح في يد اليمين الليبرالي للقول بأن “كل الثورات محكومة بالفشل” وأن “السلطة مفسدة بطبيعتها”، مما يعني أن الوضع الراهن (الرأسمالية) يظل أفضل الممكن. هذه القراءة المسطحة خدمت المخابرات الأمريكية بشكل مثالي، فعملت على نشر “مزرعة الحيوانات” وتوزيعها وتحويلها إلى أعمال مصورة، لكنها بعيون اليوم على الأقل تقصر عن إدراك المغزى الأخلاقي الأعمق للعمل.
لم يكن نقد أورويل في الحقيقة موجهاً لـ “الثورة” كمبدأ، بل لـذلك النوع من التمرد العنيف التآمري الذي لا تؤدي إلا إلى تغيير الأسياد. إن دافعه لكتابة “مزرعة الحيوانات” لم يكن أيديولوجياً – رغم علاقته المشبوهة بالمخابرات البريطانية -، بقدر ما كان أخلاقياً مكرساً للدفاع عن الحقائق الأساسية للوقائع في التجارب الثورية.
كانت لدى أورويل شجاعة نادرة لمواجهة الجميع دفاعاً عن تلك الحقائق: لقد انتقد الإمبريالية البريطانية (في بورما) رغم أنه كان جزءاً من المنظومة، وحارب مع الاشتراكيين الديمقراطيين ضد الفاشيست (في إسبانيا خلال الحرب الأهلية). وفي الوقت نفسه، انتقد الستالينية بلا هوادة عندما كان ستالين حليف بريطانيا الرئيسي ضد هتلر، وكانت النخبة المثقفة اليسارية في الغرب تمجده.
لم يكن أورويل يدافع عن السيد جونز (الرأسمالية). بل كان، كما قال بنفسه، يحذر الجماهير من أنهم بحاجة “للتخلص من قادتهم بمجرد… أن ينتهوا من أداء مهمتهم في قيادة الثورة”، وإلا سيظهر “نابوليون” الطاغية، بل وربما “نابوليونات” متعددين لا مانع لديهم من قلب الثورة الشعبية ضد “السيد جونز” (النظام)، إلى حرب أهلية بين أمراء الحرب وقادة الفصائل المتطرفة، الذين يدعي كل منهم أنه يمثل الثورة، بينما هو في الحقيقة يبني “مزرعته” السلطوية الخاصة.
تكنولوجيا الطغيان: اللغة كسلاح لتدمير الوعي
إذا كانت القوة (الكلاب/ الأمن العام) هي الأداة القمعية، فإن “اللغة” هي الأداة الأيديولوجية الأشد فتكاً في الرواية. إن اللغة هي ما تجعل المجتمع ممكناً، وتفكيكها هو جوهر المشروع الشمولي. والطغيان لذلك وقبل أن يفرض سيطرته على الأجساد، يعمل على تدمير “الفضاء المشترك للمعنى”.
آلية الخيانة الأعمق في الرواية هي “نصّية”. لقد حولت الخنازير المبادئ الثورية إلى سبع وصايا مقدسة جامدة كُتبت على الحائط. والكارثة، أن هذه الوصايا أصبحت عرضة للتلاعب المنهجي لتبرير فساد النخبة.
ماتت الثورة لحظة أصبح “النص” المكتوب (القانون البيروقراطي) أقوى من “الذاكرة” الحية (تجربة الحيوانات). كانت الخنازير تغير الوصايا ليلاً بينما بقية شعب المزرعة ساه في غفلة:
“لا يجوز لأي حيوان أن ينام في سرير” … (أُضيف بخط صغير: مع ملاءات).
“لا يجوز لأي حيوان أن يشرب الخمر” … (أُضيف: حد الإفراط).
“جميع الحيوانات متساوية” … (أُضيف: لكن بعضها أكثر مساواة من البعض الآخر).
إن الحيوانات الأخرى، التي فقدت ثقتها بذاكرتها، لم تعد تثق إلا بالنص المكتوب الذي لا تستطيع قراءته، والذي تتحكم به النخبة. وهذا نقد ثقافي عميق لسلطة الدوغمائية واللغة البيروقراطية التي تجعل الواقع الموضوعي خاضعاً لإرادة السلطة الجديدة.
الثورة: تأمل أورويل الكئيب
يمكن وضع “مزرعة الحيوانات” في سياق أعمق عبر الإشارة إلى تأثر أورويل بالكاتب الروسي يفغيني زامياتين (صاحب رواية “نحن – 1924”) صاحب فكرة أن الثورات، مثل الأرقام، “لانهائية”، فلا يمكن أن تكون هناك “ثورة أخيرة”. عندما جعل أورويل الخنزير نابليون يقول: “حين تحدث ثورة واحدة، لا يمكن أن تحدث أخرى”، فإنه كان يضمّن نصه الفكرة المضادة: “يمكن دائماً أن تحدث ثورة أخرى”.
هذا يقلب معنى الرواية: “مزرعة الحيوانات” ليست “نهاية التاريخ” أو إعلاناً عن استحالة اليوتوبيا بحجة بأن كل ثورة مآلها الخيانة والفشل، وإنما انعكاس كئيب لفشل هذا النوع من الثورات التآمرية الموجهة بغرض قلب الأنظمة واستبدال النخبة الحاكمة بنخبة جديدة ذات توجهات أكثر تواؤماً مع المنظومة الإمبريالية. إنها تذكير بأن الثورة عملية مستمرة تتطلب يقظة طبقية دائمة ضد النخبة البيروقراطية التي ستنشأ حتماً لمحاولة سرقتها.
تجاوز “الحالة الإنسانية”
المشهد الأخير في الرواية، حيث تجلس الخنازير (النخبة الثورية الخائنة) والبشر (الأعداء الرأسماليون القدامى) على طاولة واحدة، وشعب الحيوانات في المزرعة لا يستطيع التمييز بينهم صورة عبقريّة مذهلة لمالآت الثورة.
لقد منحنا أورويل نصاً جباراً يفضح آليات القمع والأيديولوجيا، وغلفه بتشاؤم واقعي. وكقراء لروايته في عيدها الثمانين فإن مسؤوليتنا أن نأخذ منها حدسها النقدي، ونرفض نزعتها القدرية الظاهرية، لنواصل البحث عن عالم تتحقق فيه العدالة فعلاً، دون نقع بسذاجة في شباك شعارات ثورية تكتبها أجهزة الاستخبارات.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-09-21