تصدع الجسور عبر الأطلسي:
الحرب على إيران كابوس يؤرق قادة أوروبا
يثير العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران أزمة اقتصادية خانقة في أوروبا، تهدد استقرار الكتلة السياسي، وتدفع القادة للبحث عن استراتيجيات دفاعية مستقلة بعيداً عن مظلة الحماية الأمريكية
سعيد محمد*
تمر العلاقات عبر الأطلسي بمرحلة من الاهتزاز غير المسبوق، حيث فرض العدوان الأمريكي/ الإسرائيلي على إيران واقعاً اقتصادياً وسياسياً يختبر متانة التحالفات التقليدية. ويواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً داخلية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ النمو، وتآكل الثقة في الحكومات، ما يفرض إعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية لدول القارّة وسط شكوك متزايدة حول التزام الولايات المتحدة تجاه أمن شركائها.
وتسيطر منذ الثامن والعشرين من فبراير / شباط الماضي، لحظة إطلاق العدوان على إيران، حالة من الركود التضخمي على المشهد الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا. وتصاعدت أسعار الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري، ما وضع الحكومات عبر القارة في مأزق مالي حاد في وقت ترزح فيه ميزانياتها العامة تحت ضغط الديون المتراكمة منذ أزمة جائحة كورونا، ودفعها لتبني سياسات تقشفية صارمة، فيما بقيت جهود المفوضية الأوروبية حتى الآن في نطاق إجراءات محددة ومؤقتة، غير كافية للتعامل مع الأزمة الهيكلية.
الأوضاع في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وهي القوى الاقتصادية الأكبر في الاتحاد الأوروبي، تفاقمت لدرجة تنذر بتوسع نطاق التململ الشعبي. وتقاطعت توقعات خبراء الاقتصاد على توقع انخفاض مستمر في معدلات النمو، وتعاظم التحديات في قطاعات الغذاء والنقل والإسكان على نحو قد يدفع الطبقات الوسطى والفقيرة نحو تبني مواقف سياسية أكثر تشدداً، ويثير مخاوف جدية لدى الحكومات الليبرالية الوسطية عبر القارة، إذ تفتح هذه الأزمات المتصاعدة المجال أمام القوى الشعبوية لتحقيق مكاسب انتخابية، وتوجيه السخط الشعبي من الضغوط الاقتصادية تجاه الحكومات القائمة.
هذه المخاوف تفجرت علناً هذا الأسبوع على شكل جدال بين المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وألقى ميرز باللوم على السياسات الأمريكية في تفاقم الأزمات الاقتصادية في ألمانيا، معتبراً أن فشل المفاوضات مع إيران تهديد للمصالح الغربية.
وقال ميرز، الذي كان يتحدث في قاعة مدرسة ثانوية في مسقط رأسه بريف غرب ألمانيا، إن الولايات المتحدة تعرضت ل “إهانة” من قبل النظام الإيراني، وتفتقر إلى استراتيجية لإنهاء الحرب، وتركت محادثات السلام خالية الوفاض — مما تسبب في أضرار اقتصادية كبيرة لألمانيا نظرا للارتفاع المتزايد في أسعار الطاقة.
وأضاف: “هذا يكلفنا الكثير من المال — الكثير من أموال دافعي الضرائب — ويكلفنا الكثير من القوة الاقتصادية.”، مؤكداً “هذه الحرب ضد إيران لها تأثير مباشر على أدائنا الاقتصادي، ولهذا السبب يجب إنهائها في أقرب وقت ممكن.”
وقد سارع ترامب إلى الرد بشن هجوم حاد – عبر منصة تروث سوشال – على قيادة ميرز، مشككاً في قدرات المستشار الألماني على فهم تعقيدات الملف النووي الإيراني.
وكتب: “هو لا يعرف عما يتحدث. لو كان لدى إيران سلاح نووي، لكان العالم كله محتجزا كرهينة. أنا أفعل شيئا مع إيران الآن، كان يجب على دول أخرى، أو رؤساء آخرين، أن يفعلوه منذ زمن بعيد. لا عجب أن ألمانيا تسير بشكل سيء جدا، اقتصادياً وغير ذلك!”
واعتبر المراقبون هذا التراشق اللفظي انعكاساً لانسداد قنوات الاتصال بين برلين وواشنطن، وعمق الفجوة في الرؤية الاستراتيجية تجاه إيران بين الجانبين.
ويجد المستشار الألماني نفسه في وضع سياسي هش، حيث تتراجع شعبية ائتلافه الحاكم إلى أقل من 15 بالمائة من الناخبين وفق أحدث استطلاعات الرأي، وهو مستوى تدن قياسي بعد عام واحد في السلطة، بينما يتكرس حضور حزب البديل من أجل ألمانيا – أقصى اليمين – في المشهد السياسي في البلاد، ويتوقع أن يحقق مكاسب إضافية في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت في سبتمبر/ أيلول المقبل، بعد أن اخترق بالفعل أجزاء من الغرب بعيداً عن قاعدته التقليدية في شرق ألمانيا.
ويخشى مراقبون أن موجة السخط قد تضرب بقوة كافية في فرنسا أيضاً خلال الاستحقاق الرئاسي العام المقبل فتدفع حزب التجمع الوطني – أقصى اليمين -إلى قصر الإليزيه.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أثينا يوم الجمعة الماضي أثناء محادثاته مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بعد قمة الاتحاد الأوروبي: “لا ينبغي أن نقلل من شأن هذه اللحظة الفريدة حيث يكون رئيس الولايات المتحدة، ورئيس روسيا، والرئيس الصيني في مواجهة الأوروبيين”. “إذا، هذه هي اللحظة المناسبة لنستيقظ.”
بريطانياً، عوّلت لندن كثيراً على الزيارة التي يقوم بها الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة لترميم العلاقات بين البلدين بعدما تباعدت مواقفهما تجاه العدوان على إيران مع امتناع حكومة السير كير ستارمر عن الانخراط في المجهود العسكري الأمريكي مباشرة، لكن صحيفة الفايناشيال تايمز اللندنية النافذة نشرت على صدر صفحتها الأولى بالأمس تصريحات للسفير البريطاني لدى واشنطن، السير كريستيان تيرنر، أثارت من فورها جدلاً واسعاً حول طبيعة التحالفات الغربية في عهد ترامب. وعبر تيرنر – في نقاشات يفترض أنها غير رسمية وغير معدة للنشر – عن قناعته بأن الولايات المتحدة تولي أهمية استثنائية لعلاقتها مع إسرائيل فحسب، وتعتبرها الشراكة الوحيدة التي تستحق وصف “العلاقة الخاصة”. واعتبر السفير أن هذا الواقع يفرض على بريطانيا وبقية دول أوروبا ضرورة السعي لبناء استراتيجيات أمنية مستقلة، بعيداً عن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية.
وكانت تقارير صحافية من واشنطن أشارت إلى الولايات المتحدة بصدد اتخاذ إجراءات ضد حلفاء الناتو الذين رفضوا دعم قرار الرئيس دونالد ترامب بالدخول في حرب مع إيران. ووفقا للتقارير، فإن الخيارات تشمل تعليق عضوية إسبانيا في التحالف وإعادة النظر في تأييد سيادة المملكة المتحدة على جزر فوكلاند (المالفيناس) الأرجنتينية.
هذه المواقف والتصريحات تعزز قناعة متزايدة في أروقة الدبلوماسية الأوروبية بأن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها العالمية بناءً على مصالح جيوسياسية تبتعد عن الاهتمامات التقليدية لأوروبا، الأمر الذي يضطر معه القادة الأوروبيون إلى التفكير في بدائل أمنية، بما في ذلك تفعيل المادة 42.7 من معاهدة لشبونة، والتي تلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة العسكرية المتبادلة في حال تعرض أي منها لهجوم. ورغم التحديات العملية والقانونية التي تواجه هذا التوجه، إلا أن النقاشات تدور بجدية حول كيفية بناء ركيزة أوروبية أقوى داخل حلف شمال الأطلسي – ناتو -، وقادرة على العمل بشكل مستقل عن الولايات المتحدة عند الضرورة.
وكان تهديد الرئيس ترامب بالانسحاب من الحلف قد أطلق قلقاً وجودياً في العواصم الأوروبية، ودفع حكوماتها لدراسة سيناريوهات للدفاع الجماعي عن القارة دون القيادة الأمريكية، على نحو يمكنها من إدارة أزماتها الإقليمية والتعامل مع التهديدات الأمنية دون انتظار مظلة الحماية الأمريكية التي استمرت فاعلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945).
وتعتبر بريطانيا وفرنسا قطبي هذه الجهود الجديدة بحكم أنهما قوتان نوويتان وتتوفران على قاعدة تصنيع عسكري متقدم. كما أن ألمانيا رصدت مبالغ طائلة لإعادة بناء قوتها العسكرية الهجومية بعد ثمانين عاماً من تبني عقيدة حفظ الأمن الداخلي، وترك مسألة مواجهة التهديدات الخارجية للجيش الأمريكي.
ومع ذلك، تواجه هذه المشاريع عقبات كبيرة. إذ تفتقر الدول الأوروبية إلى هيكلية قيادية موحدة، وتتباين مصالحها الاستراتيجية وتقييماتها للتهديدات الأمنية، ما يجعل التنسيق الدفاعي مهمة بالغة الصعوبة.
ويرى المحللون أن الاعتماد المفرط على الهياكل البيروقراطية للاتحاد الأوروبي سيمثل دائماً حجر عثرة أمام سرعة الاستجابة للتهديدات الأمنية. لذلك يبقى “تحالف الراغبين” خياراً أكثر مرونة، حيث يسعى ثلاثي باريس-لندن-برلين إلى تشكيل نواة صلبة للدفاع الأوروبي فيما بينها، بعيداً عن تعقيدات الإجماع الكامل التي تتطلبها قرارات الاتحاد الأوروبي.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-05-01