مداخلة في مناسبة استذكار المناضل الوطني باقر إبراهيم !

كاظم محمد تقي
أُلقيت في الندوة الخاصة بالذكرى السنوية الأولى لوفاة المناضل الوطني باقر إبراهيم بتاريخ ٦-٦-٢٠٢٥
في هذه المناسبة أيها الأصدقاء سأحاول ومن خلال مداخلة قصيرة ومكتوبة تسليط الضوء على بعض جوانب الإرث النضالي للمناضل الوطني باقر إبراهيم ، حيث وكما تعلمون يُستذكر المناضلين وخاصة بعد رحيلهم بتضحياتهم وبما قدموه على طريق النضال الوطني والطبقي ، خلال عقود طويلة، وبنفس الوقت تُذكر خِصالُهم وما مَيزهم من صِفات شخصية وقدرات فكرية وسياسية طبعت بصماتها بفعلهم اليومي في ساحات النضال ، وبما تركوه من إرثٍ ثقافي وفكري وسياسي ترك تأثيره الواسع ولايزال محل تداولٍ وتقدير في فضاءاتنا الفكرية والسياسية .
كان العراق وما زال، غنيا بتنوعه الفكري والسياسي، وقد تجلى ذلك ببرامج وافكار الاحزاب ، والكتل السياسية، وحتى الافراد المستقلين، حيث الحيوية في العطاء الابداعي، والثقافي وفي الانفتاح على الاخروتحقيق قيم جديدة لمصلحة مختلف الفئات الاجتماعية، وان انعكاس حدة الصراعات السياسية، وتعقيداتها، اضافة الى شدة تأثير المعيق الخارجي ، لما يتمتع به العراق من موقع جيوسياسي مؤثر، بحكم تمركزه في مركز التجاذبات الدولية ، ولثرواته المادية والبشرية، كل ذلك جعل من الحياة عموما في العراق ساخنة، ومتوترة ، فما بالك بالحياة السياسية . ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921كانت هناك نزعات سياسية متباينة، مرتبطة بالنخب المثقفة، والنخب المتصدرة للحياة العامة رجال دين تجار .موظفون . مثقفون. عسكريون. زعماءعشائر”وكان التباين من القضية الوطنية، والمشكلات الاجتماعيه، عامل اساسي لتحديد الخطوط والفواصل بينها “المحافظ التابع والمحافظ الوطني واخر اكثرتجذر، في معالجاته الوطنية والطبقية الخ ” او بتسميات اخرى كالرجعي والتقدمي ومابينهما من درجات على يمين ويسار كل واحد منهم .
ومن هنا فأن القضية الوطنية بعناصرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية شغلت الحيز الأكبر والمجال الاوسع في الجهد السياسي والفكري للحزب الشيوعي العراقي ولرفيقنا الخالد كونه احد القيادات التي لعبت دورها الكبير في هذا الجهد، وظلت ولازالت المسألة السياسية والفكرية الأولى في حلقات النقاش والجدل السياسي اليومي للوطنيين العراقيين من حيث ارتباطها الوثيق بنشأة وبروز وقيام التيارات السياسية ، وتأطير أهدافها ببرامج سياسية نابعة من الخلفية الاجتماعية والثقافية للقائمين عليها ، وارتباطها بطبيعة المرحلة وطورها الاقتصادي والسياسي . وكذلك كونها اليوم ولازالت القضية الأولى ، خاصة لما بعد الغزو والاحتلال وما ترتب عليها من متغيرات عميقة بطبيعة النظام السياسي وآلياتهِ وقانونية مقوماته المستندة إلى دستور كُتب تحت ظلال الاحتلال فكانت بصمات الخارج الامبريالي واضحة بين سطورهِ بما يخدم مصالح الغرب الامبريالي الاقتصادية والسياسية وبما يضمن الأمن الاستراتيجي للكيان الصهيوني ، لجهة تفكيك الوطن وشرعنته، ولقوننة مبدأ التوافق بين الكتل السياسية بما يخدم شرعنة الاستحواذ والافساد.
لقد كان عام ٢٠٠٣ عام الغزو والاحتلال بداية لمرحلة وبداية لمتغير كبير ارتبط بمتغيرات عالمية بسيطرة القطب الأمريكي وازدياد نفوذ الليبراليين الجدد وسيطرتهم ، وبعولمة إمبريالية هدفها الأساسي خدمة راس المال المالي وتكريس الدور الوظيفي لبلداننا ونزع سيادتها السياسية والاقتصادية.
لقد هَزّ سقوط المعسكر الاشتراكي واربك الأحزاب الوطنية من يسارية وغير يسارية واوجد خللاً عند البعض في الأسس الفكرية لقضايا النضال الوطني وخاصة عند العديد من القيادات الشيوعية، والذي قاد فيما بعد الى سياسات ليبرالية انتهازية ، نقلت معها هذه القيادات الى الضفة الأخرى والتي أضاعت معها البوصلة الوطنية.
وفي هذا الصدد كتب الرفيق باقر ابراهيم فيما يتعلق بالشيوعيين العراقيين (( حيث وقف الكثير من الشيوعيين العراقيين عاجزين امام امتحان فكري وسياسي يتعلق بأساسيات المنهج الماركسي في مسألة الموقف الوطني من الغزو والاحتلال)).
وهنا كرسَ باقر إبراهيم الكثير من وقته ونشاطه لتبيان طبيعة النهج الماركسي في القضايا الوطنية والموقف منها ، فكانت مقالاته وطروحاته ونقاشاته تصب في تفنيد وتصويب الكثير من الطروحات لبعض القيادات حول وجوب القراءة الجديدة للماركسية اللينينية وبعقلية جديدة ، أي قراءة الماركسية اللينينية بما يناسب مقاسات العولمة الامبريالية. ففي مقاله المنشور بعنوان المرتدون عن الشيوعية وعن الوطنية! ذيليون دائمون للأسياد الكبار والتي أعاد كتابتها بصيغة أخرى في كتابه (العراق جديد الحركة وتجديد الطلائع) كتب يقول:
((يدعي المرتدون والتحريفيون، بان مناضلي الامس، مازالوا يعيشون في الماضي، وانهم هم المجددون، حينما يعيدون قراءة الماركسية اللينينية بعقل جديد ! لكنهم في الواقع، وفي الممارسة، ينتهون، شاءوا ام أبوا، الى نسف الاسس المبدئية، ليس للماركسية اللينينية بل لكل ثوابت النضال ضد البرجوازية الامبريالية، مروراً باللقاء معها، وأنتهاء الى الوقوع في شباكها، كخدم اذلاء في جميع ميادين الخدمة)). وهنا الإشارة واضحة إلى الارتداد والانتقال إلى الضفة الأخرى والتخلي عن الثوابت الوطنية. وهذا ما أكده لاحفاً في رسالته إلى اجتماع ( اللجنة التحضيرية لوحدة الحركة الشيوعية العراقية)
والذي عُقِد في دمشق بحضور مجموعة من الوطنيين العراقيين ومن الكادر الشيوعي العراقي في ١٥ تموز ٢٠٠٦حيث ذكر في رسالته (( تتحمل قيادة الحزب الشيوعي وكادره على جميع المستويات ، مسؤولية الصفقات التي عقدت مع اعداء الوطن المحتلين . فتلك الصفقات ، اسفرت عن سياسة جديدة تمامآ ، فحواها تزيين الغزو الامبريالي ونشر فكره الليبرالي الجديد وتبرير الهيمنة لامريكية ، واجازة التواطؤ مع الغزاة بأسم النضال ضد الاستبداد او من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان ، وتسفيه منجزات الشعب طيلة الحقب الماضية ، بل تخريبها عمليآ ، والسعي للحط من اصالة شعبنا وانتمائه العربي والاسلامي ، ومن تزيين الصورة البشعة للصهيونية وكيانها العدواني التوسعي…))٠
لم يتوقف نشاط باقر إبراهيم على الجبهة الفكرية ، بل تعداه إلى تنشيط الدعم العربي للقضية الوطنية العراقية كجزء لا يتجزأ من حركة التحرر الوطني العربية ، ولطبيعة الترابط العضوي بين اجنحتها المختلفة ، حيث قضية التحرر والسيادة وبناء الدولة الوطنية الحرة.
من هذا المنطلق دفع الرفيق باقر باتجاه العمل الجبهوي المشترك لكافة التيارات الوطنية على المستوى الوطني والعربي ، فساهم مساهمة ناضجة ونشطة في استقطاب الوطنيين من التيارات القومية والإسلامية وتشكيل تحالف غير معلن للدعم ، والنضال من اجل القضية الوطنية. لقد كانت اجتماعات المؤتمر القومي العربي والمؤتمر الإسلامي ساحات سانحة وواسعة لنشاط التيار اليساري العربي وخاصة العراقي منه لحشد الدعم السياسي وكانت بحد ذاتها مناسبات ثمينة للقاء والنقاش والمساهمة الفكرية والسياسية ، حيث كان باقر ابراهيم حريصا على العمل الموحد الذي شمل مناضلي التيارات الوطنية الأخرى منها العراقية والعربية.
لفد كرس الرفيق باقر إبراهيم جهداً كبيراً لمسألة اليسار الوطني ودوره في استنهاض الشارع الشعبي على طريق تحقيق الأهداف الوطنية ، وأعطى أهمية كبيرة لليسار العربي والعالمي ودورهُ في النضال الوطني والعربي والعالمي في التصدي للإمبريالية وادواتها وسياساتها الإقليمية . في مقاله المعنون (اليسار العراقي واليسار العالمي عند احتلال الوطن: يقاوم أم يساوم؟) أشار بشكل جلي وبالوقائع إلى دور اليسار عالمياً وعربيًا في مقاومة المحتل والتصدي للهيمنة والاستكبار وإلى دور اليسار الريادي في العمل الجماهيري وقيادته.
لقد جاء انهيار الاتحاد السوفيتي، ليكشف العفن المستشري في العديد من قيادات الأحزاب الشيوعية العربية والذي تميز بارتدادها عن مبادىء طبيعتها اليسارية ، في الوقت الذي برزت فيه اجنحة وتيارات قومية ودينية تجاوزت في مواقفها الوطنية الكثير من القيادات الشيوعية ، التي من المفروض ان تكون بطبيعتها الأيديولوجية يسارية متجذرة ، لذلك كرس باقر إبراهيم العديد من كتاباته ونقاشاته ومساهماته حول مفهوم اليسار الوطني بشموليته ضمن المتغيرات العالمية وأزمة حركة اليسار ، فكانت مساهمته في الندوة العلمية التي اقامتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بتاريخ ٢٤-٤-١٩٩٤ حول ازمة الحركة الثورية العالمية وتجلياتها الفكرية كمساهمة فكرية طرقت أبواب المتغيرات العالمية ودور اليسار فيها.
لقد كان لباقر إبراهيم جلسات فكرية وتواصل مع العديد من الرفاق والأصدقاء في الداخل والخارج والتي انصبت بشكل أساسي على مفاهيم اليسار الوطني واليسار الشيوعي وما هية اليسار الاجتماعي وكذلك مسألة الحركة الشيوعية العراقية بمجاميعها المختلفة وقضية وحدتها ومسألة البديل اليساري الوطني ، وكانت هذه المداولات والنقاشات الفكرية والسياسية مهمة في تطوير الرؤى لقضية اليسار ودوره في النضال الوطني .
في أكتوبر ٢٠١٠اجتمع ممثلون عن أحزاب وقوى وشخصيات يسارية عربية في بيروت لمناقشة سبل التصدّي لـلهجمة الامبريالية تحت عنوان «اللقاء اليساري العربي». وقتها بدا المشاركون حائرين أمام معضلة غياب الشارع العربي عن المعركة ضد مشروع الهيمنة الأميركية وأدواتها الداخلية، لتنتهي الجلسات، بعد يومين، ببيان ختامي لم يتضمن سوى خطوط عريضة لمهمات المرحلة المقبلة، ولم يتطرق البيان للأدوار الوطنية المقاومة التي عكست بروز قوى جديدة لعبت وتلعب دورا ريادياً في مقارعة الامبريالية ومخططاتها، حيث عكس البيان اختلافات شاسعة وعميقة في رؤية اليساريين لِسُبل التغيير وطبيعة المتغيرات. وكانت ورقة النقاش قد عكست هذا الواقع ، عندما أقرّت بأن «حركة الجماهير الراهنة تقدمت على أحزاب وقوى تقليدية ابتعدت عن تراثها الديموقراطي والوطني، وحتى اليساري، وغرقت في تنظيرات فكرية مستسلمة لمقولة نهاية التاريخ وانتصار قوى الامبريالية، وبدأت التسابق للدخول في تسويات مع الأنظمة القائمة مما أبعدها عن الجماهير وحوّلها إلى أحزاب نخبوية.
ان إنعاش اليسار العربي، يستدعي قوى فكرية وسياسية جديدة قادرة على استيعاب طبيعة جدل العلاقة التصادمي بين مجتمعاتها الوطنية ونظام الإعاقة الخارجي، بين تداعيات العولمة الامبريالية والمتغيرات الاجتماعية، بين نظام الاستبداد الداخلي وموضوعية علاقته بنهج وتوجهات اقطاب العالم الرأسمالي ، ان هذه القوى مدعوة لتوسيع افق نظرتها الاجتماعية وتعميقها سياسيا، عبر رعاية نهج فكري وعملي، يتخلى عن الحساسية المفرطة تجاه الخطاب القومي والديني، وقادر على التعامل مع اليسار القومي والليبرالي الوطني الديمقراطي المتجذر ومع اليساريين المستقلين، لبناء يسار وطني، فعال في مشاركته الوطنية والطبقية، يشتق برنامجه من اصول تعقيدات وضعه الوطني ومتطلباته الاجتماعية والسياسية.
إن الماضي البعيد والقريب، يؤكد وبكل حراكه السياسي والاجتماعي على وجود حركة شيوعية عراقية عريقة بتأريخها النضالي وبحضورها الوطني، وبتميزها في خلق وترسيخ تقاليد كفاحية تربت عليها فئات شعبية واسعة، ساهم الرفيق ابوخولة وغيره بنضالهم الطويل بترسيخها ولا زالت اجيالنا تحتضن في ذاكرتها وفي حسها هذه التقاليد، وتتمثل في سلوكها القيم الفكرية والاجتماعية التي تدفعها بأستمرار لملامسة قضايا الوطن ومحنته، وتجعلها منحازة وبكل وضوح لهموم المواطن وتطلعاته، وخاصة في هذا الظرف التاريخي الذي لم يشهده الوطن العراقي في تاريخه القديم والحديث.
2025-06-09
تعليق واحد
من الصعب جدا ، بل ومن المستحيل ان تكتب عن رجل صنع تاريخا وسطر امجادا ، مناضل صدق واخلص وناضل من اجل وطنه كل الوطن، فضحى لهذا الوطن وافنى زهرة شبابه لخدمة الوطن وشعبه.
المناضل باقر ابراهيم
الرجل المقاوم
والشخصية الوطنية البارزة في تاريخ النضال العراقي
فسلام الف سلام عليك