مجزرة نيوزلندا الأبعاد الاجتماعية: قصة مهاجرة في السويد التي تشي بالكثير
د. حميد مسلم الطرفي
التقيت ذات يوم مع إحدى المغتربات المقيمات في السويد ، التقيتها في العراق وحين سألتها عن أوضاع المغتربين هناك قالت : ذات يوم كنت جالسةً في أحد المطاعم وكان معي طفلي البالغ من العمر سنتين وهو يحمل ملامح شرق أوسطية ، بشرةٌ حنطية ، شعر اً داكناً ، عينين سوداوتين يلعب مع طفل سويدي أوربي الملامح تماماً يكبره بعامين تقريباً ، وكان أبوه يجلس على طاولةٍ قريبةٍ مني ، وفي اللعب كان ولدي يجر الطفل الاوربي من شعره الأشقر فيرد عليه ذلك الطفل برفق فلا يضربه ولا يعنفه والأب ينظر الى ولده ، فنادى عليه وعندما اقترب منه سمعته يوبخه بشدة ويدعوه إلى ان يضرب ابني ، فرد عليه الولد الصغير : ماهكذا تعلموننا في البيت ياوالدي ، فأطرق الأب وقال لكن هؤلاء مهاجرون . تلك الحكاية في 2010م قبل أن يصعد اليمين المتطرف إلى السلطة في امريكا أو ايطاليا ، وقبل أن تحصل أزمة اللاجئين الى الدول الأوربية في عام 2016م . ما نسمعه عن التسامح الديني ، والشعور الإنساني ، والرقي الاجتماعي في الغرب جاءت به القوانين ورسخه التعليم ووطدته طرائق التنشئة السياسية والمناهج التربوية منذ سنين طويلة ولكنه يمكن أن ينهار بسرعة عند إيقاظ الغرائز البشرية عبر الخطابات الشعبوية ، فالفتنة مصطلح شرقي ولكن مصاديقه يمكن أن تتحقق على كل البشر . فالنفس الإنسانية هي ذاتها في الشرق وفي الغرب . ما قام به المجرم برنتون تارانت في مدينة كرايست تشيرتس في نيوزلندا لم يأت من نزوة طارئة أو شهوة عابرة أو مرض نفسي تعرض له الجاني بل هو تراكم طويل لأفكار عنصرية تتغنى بالعرق وبالدم وباللون ، تراكم لمقالات كثيرة روجت لها بعض وسائل الإعلام الغربي حول خطر المسلمين على الغرب اليوم وفي المستقبل ، تراكم لعشرات الخطابات من الكراهية التي يستعملها اليمين المتطرف في دعاياته السياسية في الانتخابات . وهو أيضاً محاكاة لقوى الإرهاب في الشرق التي غذتها وساعدتها دول الغرب في يومٍ من الأيام أمثال القاعدة وداعش . إن تكرار هذا النوع من العمليات وبهذه الفضاعة سيكلف الغرب الكثير ، على المستوى الأمني والاقتصادي والسياسي ، فالجاليات المسلمة هناك تعد بالملايين ، وهذه العمليات ستوحدهم أكثر وتساهم في عدم اندماجهم بالمجتمع الغربي ، وذلك ما يؤدي إلى الانقسام الإثني التي تفتخر الدول الأوربية أنها تجاوزته منذ قرون عبر الآليات والمبادئ والمؤسسات الديمقراطية وحقوق الانسان .
إن بيانات التعاطف والاستنكار ورسائل التطمين للمسلمين لا تكفي لوحدها ، ما لم تصدر تشريعات تردع أولئك الذين يتبنون لغةً معادية للإسلام والمسلمين ، فالمسلمون ليسوا أقل شأناً من اليهود حتى يجرم كل من شك في تعرضهم للإضطهاد أو شك في المحرقة التي قيل أنهم تعرضوا لها على يد هتلر ، تحت تهمة ” معاداة السامية ” في حين يجزر خمسون مسلماً بدمٍ بارد من قبل إرهابي أبيض ويمر ذلك دون عقاب .