#على_شفا_جرفٍ_هار!
زينب مهدي*
الجزء الثاني :
بين هرمز و باب المندب
في الحـ ـرب الحالية، فعّلت طهران سـ ـلاح هرمز الاستراتيجي لمواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية المباشرة لكن المشهد يبدو غريباً ، لأنه يخضع لإغلاق متبادل .
يقع مضيق هرمز في موقع فريد يمنحه أهمية استراتيجية بالغة، حيث يربط بين الخليج و بحر عمان (المؤدي إلى بحر العرب والمحيط الهندي)، و يبلغ عرضه من 39 كيلومتراً إلى 96 كيلومتراً في مناطق مختلفة
بسبب ضيق الممر و كثرة الجزر و الصخور، تم فصل حركة المرور ليكون مسار للدخول ومسار للخروج .
تقع المناطق العميقة في الجانب الشمالي التابع لإيران و يكثر في الجانب العماني الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية، مما يجعل الممر الإيراني هو الأساسي للملاحة الدولية . استغلت إيران هذا التفوق الجغرافي لمواجهة السـ ـلاح البحري الأمريكي .
اعتمدت إيران تكتيكات الحـ ـرب الهجينة بإستخدام أسطول “البعوض” و نشر آلاف القوارب الصغيرة السريعة والانتـ ـحارية (حـ ـرب عصـ ـابات بحرية) و زرع ألغـ ـام بحرية شديدة الفـ ـتك و حولت جزرها الاستراتيجية إلى نقاط مراقبة متقدمة مجهزة بصـ ـواريخ مضادة للسفن وطائرات مسـ ـيرة. و فرضت رسوم بالعملة المحلية و التشويش على إشارات الـ GPS للسفن .
فمجرد انفـ ـجار لغـ ـم واحد في ناقلة نفط عملاقة يدفع شركات التأمين العالمية إلى رفع تكاليف التأمين لنسب خيالية أو حـ ـظر إبحار سفنها في المنطقة تماماً، مما يعني إغلاقاً تجارياً ذاتياً للمضيق .
في المقابل فرضت القيادة المركزية (CENTCOM) حصـ ـاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية عبر المدمـ ـرات و الأسطول الخامس . مما تسبب في تداعيات مروعة تضرب الطرفين و أدى الى انهـ ـيار الصادرات النفطية الإيرانية و القدرة الشرائية للريال الإيراني .
الحـ ـظر الإيراني ، معلن ضد أمريكا و إسـ ـرائيل . لكن شركات الملاحة العالمية العملاقة التي تنقل بضائع العراق، والكويت، والإمارات، والسعودية هي شركات غربية أو تستخدم سفناً مسجلة في دول حليفة لأمريكا و في ظل الصـ ـواريخ و الألغـ ـام الإيرانية و القصـ ـف الجوي الأمريكي المستمر لا تجازف أي شركة بإرسال سفنها إلى الخليج مما أجبر دولاً كبرى مثل السعودية على تحويل مسارات نفطها على البحر الأحمر (مثل ميناء ينبع) لتجنب فخ هرمز المشتعل. لكن وجدت نفسها أمام الجـ ـبهة الثانية والأخطر للحـ ـرب.
في سبتمبر الحالي، سيطر الحـ ـوثيون على السواحل الغربية لليمن وباتوا يتحكمون بمضيق باب المندب و أعلنوا حصـ ـار بحري شامل على السفن والناقلات السعودية . وأمطروا ميناء ينبع و محافظات جنوب المملكة بصـ ـواريخ باليـ ـستية و مسـ ـيرات انتحـ ـارية
مما جعل الممرات البحرية للمنطقة مشلولة بالكامل وقاد أسعار خام برنت لتقفز فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل.
تمثل جبـ ـهة الحـ ـوثيين الصـ ـدمة العسكرية الأكبر لواشنطن . تحـ ـارب أمريكا بأساطيل ومدمـ ـرات تبلغ قيمة السفينة الواحدة فيها مليارات الدولارات، وتطلق صـ ـواريخ دفاعية تبلغ قيمة الصـ ـاروخ الواحد 3 إلى 4 ملايين دولار، لصد طائرات مسيـ ـرة وصـ ـواريخ حـ ـوثية بدائية رخيصة لا تتجاوز تكلفتها 10 إلى 20 ألف دولار.
اضافة إلى ذلك يعتمد الحـ ـوثيون على منصات إطلاق صـ ـواريخ متحركة مخبأة في الجبال والكهوف والأنفاق، تظهر لدقائق وتختفي فوراً، مما يجعل الرصد الجوي والأقمار الصناعية الأمريكية عاجزة عن إبـ ـادتها استباقياً.
إن اليمن ذو طبيعة جبلية بالغة التعقيد والوعورة، ولا يمكن حسم المعـ ـركة ضدهم عبر القـ ـصف الجوي أو البحري فقط، والولايات المتحدة ترفض تماماً خوض حـ ـرب برية تجنباً لفخ استنزاف بشري يشبه فيتنام أو أفغانستان.
يتبع
2026-10-03