ما الفرق بين الثور الابيض والثور الأسود؟
سعادة مصطفى ارشيد*
على الرغم من أن بنيامين نتنياهو قد حازت كتلته البرلمانية على عدد اكبر من المقاعد في الهيئة التشريعية الإسرائيلية من تلك التي حصل عليها خصمه إلا أن «الرئيس الإسرائيلي» هرتسوغ يميل إلى تكليف غابي ايزنغوت بتشكيل الحكومة مفترضا أن الكتلة البرلمانية من الفلسطينيين وهي الكتلة المرجحة قد تقبل بهذا الرجل فيما هي ترفض بشكل قاطع منحها الثقة لنتنياهو بكل الأحوال، ولا أخبار تتوارد حتى الآن فيما اذا كانت هذه الكتلة المرجحة ستفرض على ايزنغوت وقف حرب الإبادة على غزة أو وقف العدوان الاستيطاني المتوحش في الضفة الغربية، مع انه من المستبعد انه سيقبل بمثل هذه الشروط التي ستجعله يخسر بعض اهم أركانه أمثال ليبرمان ونفتالي بينيت.
هنا يطرح السؤال ما الفرق بين حكومة برئاسة نتنياهو أو حكومة برئاسة ايزنغوت وبماذا تختلف برامج الرجلين وبرامج حلفاء كل منهما؟
يتمحور الخلاف بينهما حول مسائل تتعلق بدولة الاحتلال وأسلوبي إدارتهما للشؤون العامة في مجتمعها مثل التعديلات القضائية التي فرضها نتنياهو وافقد بها السلطة القضائية استقلاليتها وجعلها تابعة للسلطة التنفيذية، وهناك خلاف آخر حول تجنيد الحريديم وهم فرق يهودية متدينة معفاة من الخدمة الإلزامية في الجيش وتمثل جمهورا عدديا واسعا عاطلا عن العمل والإنتاج يلتهم مقدرات الدولة والرعاية الصحية وصناديق البطالة ويريد نتنياهو إرضائهم بإبقاء الوضع على حاله فيما يريد التحالف الآخر إجبارهم على الالتزام بالتجنيد والخدمة الإلزامية شان أي مواطن آخر.
على الصعيد الدبلوماسي فان نتنياهو يعتمد أساساً على تحالفه مع دونالد ترامب ومكتفيا به ولا يتورع عن اللجوء إلى أساليب صدامية مع عواصم الغرب الأخرى طالما يتمتع بدعم البيت الأبيض وإدارته الجمهورية، فيما يرى الفريق الآخر أن التواصل الدبلوماسي مع العالم وخاصة في أوروبا الغربية مسالة مهمة وكذلك ضرورة التعاون مع أوروبا في السياسات الإقليمية والأمنية ويرى أيضاً أسلوب نتنياهو قد أضرّ بمكانة إسرائيل الدولية وسمعتها مما سيكون له أثره على المدى البعيد.
ويرى ايزنغوت وحلفائه أن عليهم تحميل نتنياهو مسؤولية الإخفاق صبيحة السابع من تشرين أول 2023 كما في إدارة الحرب التي تلتها ويطالبون بلجنة تحقيق رسمية مستقلة لبحث هذا الإخفاق وتحديد المسؤولية عنه.
عند النظر إلى كل ما تقدم نرى أنها جميعها مسائل تتعلق بالشؤون الإسرائيلية ولا علاقه لنا بها لا من قريب ولا من بعيد، أما ما لنا علاقة به فنجد أن بين الفريقين مقدار كبير من التطابق في البرامج وان اختلف الأسلوب بعض الشيء، فكلاهما يرفض رفضا قاطعا قيام اي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية غرب نهر الأردن وكلاهما متفق على ضرورة السيطرة العسكرية على الضفة الغربية بضم معظمها، كلاهما متفق على أن الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وحتى في مناطق 48 هم فائض سكني يجب التخلص منه، وكلاهما متفقان على أن الضفة الغربية بأكملها هي ارض إسرائيل التي لا يمكن التخلي عنها، وكلاهما معني بتواصل الاستيطان وان اختلف الأسلوب الذي يرى نتنياهو، أن شكله الوحشي كان من شانه دعمه انتخابيا، وهكذا فهما شريكان في الأهداف المتعلقة بنا ومختلفان بما يتعلق في الشؤون المتعلقة بهم.
مما لا شك فيه أن جهود تشكيل الحكومة في تل أبيب ستتعثر وفي كل الأحوال ستتأخر عملية حصولها على ثقة برلمانية هذا أن تمت إذ ستبقى مسالة الحصول على نصاب البرلماني بالصوت الفلسطيني نقطة ضعفها في مجتمع يسير بتسارع نحو مزيد من العنف والتوحش والكراهية، إذ سيراها السواد الأعظم من المجتمع الاحتلالي إنها حكومة لا تعبر عن يهودية الدولة وتفتقد للمشروعية اليهودية الأمر الذي يؤكد أن الحياة السياسية في إسرائيل سوف تعاني من أكثر من مازق وأزمة.
هذه الأزمات تلتقي بثوابت أخرى في واشنطن التي خسر فيها ترامب أغلبيته البرلمانية وستكون العلاقة متوترة بين الكونغرس والبيت الأبيض فيما تهدد إدارة ترامب بالحرب على إيران أو على الأقل بعملية عسكرية واسعة تعادل حربا، وذلك بعد أن وصلت المفاوضات بين طهران وواشنطن إلى أماكن حرجة لم تعد تجدي في الخروج منها الوساطات القطرية، والعمانية، والباكستانية، وغيرها.
تتصاعد تهديدات الواردة من واشنطن وتل أبيب بما فيها تقارير عن استعمال السلاح النووي وعن توجيه ضربات غير مسبوقة لإيران فيما تتحرك ميليشيات مدعومة ومدربة من قبلهما لإثارة أزمات داخلية، فيما تستعد الجبهة الداخلية في تل أبيب للحرب بفتح الملاجئ وإعلان حالة الطوارئ القصوى بالمستشفيات وكان هذه الأخبار يتم نشرها للتأكيد على أن الحرب قادمة لا ريب فيها.
مقابل هذه التهديدات والتهويل- الذي قد يكون صحيحا، فان طهران تبدو رابطة الجأش وتنظر بواقعية إلى نتائج الانتخابات في تل أبيب وواشنطن ولا ترى فرقا بين هذا وذاك في كلا البلدين، وتبدي جاهزية لاحتمالات التصعيد، كما ترفض تقديم تنازلات في الملفات الجوهرية لا بل إنها تشترط رفع الحصار ووقف سياسة العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة قبل الجلوس والتباحث مع الأمريكان من نقطة الصفر حول الملفات الجوهرية.
فهل ترى واشنطن وتل أبيب أن تأزيم الوضع في مشرقنا يمثل مخرجا لهما من أزماتهما؟ ربما كان ذلك فهي طريقة معروفة في الهروب إلى الأمام أو الهروب من حفرة للوقوع في مستنقع.
احتمالات الحرب وارده، ولكن احتمالات تداركها في اللحظة الأخيرة وارد أيضاً.
ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-11-07