انتخابات التجديد النصفي الأمريكية والصراع الأوكراني!
م. ميشال كلاغاصي
شكلت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 زلزالاً سياسياً أطاح بغالبية أعضاء الحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ، لتضع إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مباشرة مع واقعٍ برلماني جديد يقوده الديمقراطيون، وقد عكس السقوط المدوّي التحول العميق في المزاج الشعبي الأمريكي، وتحولت صناديق الاقتراع إلى استفتاء عقابي مباشر ضد الخيارات الإقتصادية والعسكرية المثيرة للجدل التي تبنتها الإدارة الحالية.
لم تكن هذه الهزيمة وليدة الصدفة بل جاءت متوافقة إلى حد كبير مع قراءات الحالة السياسية والمغامرات الترامبية، وتجاهل مصالح الأمريكيين، وإقحام البلاد بحروب اكدت تداعياتها وانعكاساتها قربها من مصالح ترامب الشخصية أكثر من مصالح الولايات المتحدة.
فقد اعترف الرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس بأن التبعات الاقتصادية لشن الحرب على إيران وعلى رأسها القفزة الكبيرة في أسعار الوقود وموجات التضخم التي عصف بالقدرة الشرائية للمواطنين كانت سبباً رئيساً في إبعاد الناخبين عن الحزب، الأمر الذي أدى إلى تراجع شعبية ترامب، وصول نسب تأييد سياساته إلى أقل من 40% قبل بدء الانتخابات، بما انعكس على مرشحي الحزب الجمهوري اثناء الإنتخابات، وتسبب أيضاً بخسارتهم أصوات الولايات المتأرجحة، وتعداها إلى خسارتهم بعض المعاقل الصلبة، كولاية تكساس.
لقد أهدر الرئيس الأمريكي ثقة الأمريكيين التي نالها عام ٢٠٢٤ في غضون عامين فقط ووقعت الهزيمة، وبدأت تبرز التساؤلات حول كيفية سير الأمور خلال العامين المتبقيين لرئاسته، وطبيعة علاقته بالكونغرس “المعارض”، والأهم هو كيفية تأثير ذلك على الصراع في أوكرانيا ؟، خصوصاً بعد خسارة ترامب السيطرة على الكونغرس، وبروز الحاجة لإعادة صياغة مقاربةٍ أمريكية جديدة لملف الحرب الروسية الأوكرانية بشكل جذري يتماهى مع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، ومواقفهم المناهضة لقطع المساعدات المالية والعسكرية المقدمة لأوكرانيا أو تقليصها وربما تجميدها تحت شعار “أمريكا أولاً”، لإجبارها على تقديم التنازلات الصعبة في المفاوضات مع روسيا.
في وقتٍ وُصفت فيه استعادة الحزب الديمقراطي للسيطرة على الكونغرس بـ “التسونامي الأزرق”، التي ستقيد هامش مناورة وحسابات الرئيس ترامب في الصراع الروسي الأوكراني، وتعقيد حصوله على دعم الكونغرس لتمرير وتمويل أي اتفاقية قد يبرمها وتجبر أوكرانيا على القبول بتقديم تنازلات مجحفة لصالح روسيا.
في حين تأمل بعض الأوساط في كييف أن يساهم هذا التحول التشريعي بتعزيز مسار فرض العقوبات المؤلمة على موسكو، في وقتٍ يُخشى فيه أن يؤدي الجمود السياسي المتوقع بين البيت الأبيض والكونغرس الجديد إلى حالة من عدم اليقين والغموض بشأن مستقبل السياسة الأمريكية المتبعة تجاه أوكرانيا.
في الوقت الذي تشارك فيه غالبية العواصم الأوروبية كييف اعتقادها بأن الكونغرس ذو الأغلبية الديمقراطية سيكون قادراً على كبح جماح نزعات الرئيس الأمريكي “الموالية لروسيا”، وبفتح التحقيقات في عديد الملفات الداخلية والخارجية وعلى رأسها الحرب على إيران وضرورة إنهائها، و”صفقة الديزل” بين ترامب وبوتين، والصراع في أوكرانيا، خصوصاً مع تمويل الديمقراطيين سلطات كييف بسخاء حتى عام 2025، وبأنهم سيعيدون تدفقات التمويل المتعثرة، وسيزيدون حجم مساعداتهم العسكرية لأوكرانيا، لكن الكونغرس الجديد لن يتمكن دون تأمين الأغلبية البرلمانية الساحقة – ثلثي المقاعد – القدرة لإجبار ترامب على نقل أسلحة مثل صواريخ باتريوت إلى أوكرانيا، أو على اتخاذ قرارات سياسية لم يتبناها أصلاً .
وبالنظر إلى شخصية الرئيس ترامب، وبدون تأمين الأغلبية الساحقة، لن يتمكن الديمقراطيون من عزله أو أياً أعضاء في حكومته، وستؤدي أي محاولة إلى معركة سياسية شرسة، مع إغلاق حكومي ومواجهة تداعياته، بغياب الدلائل على استعداد الديمقراطيين لمثل هذه المعركة، وسط تأكيد وزير الحرب في إدارة ترامب على خوضها، خصوصاً وأن الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله حتى يناير 2027، وإلى ذلك الحين، لن تحدث أي تغييرات في الحياة السياسية الأمريكية.
إن اندلاع المعارك السياسية الداخلية سيضاعف حالة الإنقسام وعدم الإستقرار في واشنطن، ولن يؤدي ذلك إلى ترجيح كفة الميزان لصالح أوكرانيا، بل ستصبح السياسة الخارجية الأمريكية في شأن الصراع الأوكراني أكثر غموضاً من ذي قبل وخلال العامين المقبلين.
يُخشى أن تتحول محادثات السلام التي يقودها ترامب على مدى عامي 2025 و2026 إلى ضحية انتخابات التجديد النصفي، نتيجة الإنقسامات والخلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين، وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، فهل سيتمكن دونالد ترامب من الحفاظ على موقفه الحالي في ظل الكم الهائل من الانتقادات؟ أم أنه سيتخلى عن جهود السلام، ويغرق وحزبه في مستنقع المشاكل الداخلية؟، وعليه تبدو جولة أبو ظبي المرتقبة اختباراً جدياً لكافة الأطراف.
6/11/2026