ما البديل ….!
فرحان قاسم
كتب محمد عبد الرحمن عمودا صحفيا في جريدة ” طريق الشعب ” يوم الاحد 7/1/2024 جاء فيه : ان ” انتخابات مجالس المحافظات … اسفرت عموما عن استمرار هيمنة منظومة القوى الحاكمة والمتنفذة وقوى المحاصصة والسلاح ….لذلك بقي الخلاص من منظومة المحاصصة والمال السياسي والسلاح المنفلت على جدول العمل … وان تحقيق هذا وفرض السير على طريق التغيير يتطلب اصطفافات سياسية وشعبية واسعة ” كما احالت بعض التحليلات الاخرى نتائج الانتخابات الاخيرة المخيبة للآمال لاسباب موضوعية معروفة ، واسباب ذاتية فنية وتنظيمية.
ان مثل هذه التحليلات اعتدنا عليها بعد انتهاء كل انتخابات محلية او برلمانية ، لان جميع الانتخابات السابقة ادت الى النتائج نفسها بغض النظر عن الفريق الذي يتصدر المشهد السياسي فهو يعكس المحاصصة الطائفية والفساد المالي والاداري وسطوة المليشيات ، وتبعية القوى المهيمنة لهذا الطرف الدولي او ذاك ، ويعكس ايضا ضعف علاقة التيارات المدنية عموما بالجماهير الغاضبة والناقمة على ما شهده بلدنا من تدمير منظم من قبل الاحتلال ومن لهث وراءه ، لقاعدة العراق الانتاجية الصناعية والزراعية ولبيئته ولمنظومته القيمية والتعليمية والصحية والخدمية.
منذ سنوات عديدة نشرت آرائي الشخصية في عدة مقالات في منابر الحزب الاعلامية وبشكل خاص في موقع الحزب الشيوعي العراقي ، ومجلة الثقافة الجديدة ومجلة الشرارة ، وكتبت عددا من الرسائل ، وطرحت الكثير من المداخلات سواء في المؤتمرات والموسعات الحزبية وفي المجلس الحزبي السابع وفي عدد من الاجتماعات التي سبقت الانتخابات الاخيرة . ويمكنني ان اجمل الاراء والافكار التي طرحتها بما ياتي :
ان الاسباب التي تكمن خلف التراجعات التي تعرض لها الحزب بشكل عام ليست اسبابا فنية او تنظيمية كما ظهرت في اغلب التقارير التي اعقبت 9/نيسان/2003 وانما هي اسباب سياسية بحتة تتعلق بتحليل غير دقيق لطبيعة مرحلة ما بعد الاحتلال وانهيار الدكتاتورية .
ان تاريخ العراق المعاصر وكفاح الحركة الوطنية في العراق يشير الى معرفتها العميقة بطبيعة الاحتلال البريطاني واهدافه في تكريس تبعية العراق ، فكانت الحركة الوطنية العراقية جزءا من حركة التحرر الوطنية التي تستهدف الانعتاق السياسي والاقتصادي من الاستعمار ، ولعب الرفيق فهد وعدد من قادة الحركة الوطنية دورا كبيرا في تحديد طبيعة المرحلة وتحالفاتها الطبقية والسياسية الى ان تكلل ذلك الكفاح بالانتصار الكبير صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 .
لا شك في ان احزاب الاسلام السياسي الشيعية والسنية وقسما من احزاب الحركة القومية الكردية والعربية وبعض التيارات اللبرالية التي وقفت الى جانب القضاء على الدكتاتورية البغيضة عام 2003 عبر تدخل قوات الاحتلال الاجنبية ارتكبت جناية لن يغفرها التاريخ لها لانها اعادت العراق الى مربع الكفاح الوطني من اجل استعادة الاستقلال السياسي والاقتصادي . وخير من عبر عن هذه الحقيقة هو محمود المشهداني رئيس البرلمان الاسبق حيث قال في مقابلة تلفزيونية : ” منحونا السلطة والامتيازات وحطموا الدولة العراقية ” .
الحزب الشيوعي العراقي كان في طليعة من علم العراقيين عمالا وفلاحين ومثقفين معاداة الاستعمار والامبريالية ، وبالرغم من اشد الحملات قمعية وتعسفا فقد كان الحزب سرعان ما ينهض من جديد والسبب الرئيس في نهوضه هذا هو سياسته الواضحة التي جعلت من الجماهير سياجا واقيا له ايام العتمة والمحن وفي ايام الانفتاح ايضا . والسؤال الحارق هنا هو ما الذي تغير ؟ اليس الاحتلال الامريكي امتدادا طبيعيا للاحتلال البريطاني ؟ اليس الهدف من كل انواع الاحتلالات في زمن الراسمالية هو تكريس التبعية السياسية والاقتصادية ؟ لماذا لم يرفع الحزب صوته بعد 2003 هادرا كعادته معارضا للاحتلال ، ويحدد شكل كفاحه الذي يراه مناسبا ؟ لماذا اصبح جزءا من العملية السياسية المطعونة بالتبعية والفساد والمحاصصة ؟ لماذا ارتبكت بوصلة تحليله لمرحلة ما بعد الدكتاتورية بالرغم من وضوح اهداف الاحتلال والقوى التي هيمنت على السلطة بمباركته؟ وهل يجوز لنا ان نتحدث عن مرحلة انتقال ديمقراطي في ظل احتلال اولا وثانيا في ظل سيطرة قوى معادية للديمقراطية ؟ وخبرة عشرين عاما تكفي لمعرفة طبيعة القوى المحركة للعملية السياسية بعد الاحتلال فما ذا بقي من عراقنا الجريح ؟ لقد اكلوا الاخضر واليابس في هجمة جراد شرسة لم يشهدها اي بلد في العالم .
ولغرض اعادة البوصلة الى اتجاهها الصحيح لا بد من مراجعة واعادة تقويم سياسة الحزب منذ 2003 واعتماد سياسة جديدة تماما كحركة تحرر وطني يتبناها الحزب لتحرير العراق من الاحتلالات والتدخلات واثارها السياسية والاقتصادية ولايمكن تحقيق ذلك الا باعداد وثيقة سياسية متكاملة من الناحيتين النظرية والتطبيقية لاقرارها بمؤتمر حزبي عام ينتخب قيادة كفاحية جديدة تتولى تنفيذ مهمات حركة تحرر وطني ولها في تجربة الحزب الثورية الغنية خير معين .
أن الأسباب الفعلية التي كانت وراء تراجعات الحزب الشيوعي العراقي ونكوصه هي فكرية بالدرجة الاول. كل المسارات الصحيحة أو الخاطئة يقومها أو يحط بها الفكر. ماثرة سلام عادل هي توحيد صفوف الحزب الأمر الذي مهد لمساهمة الحزب في الاطاحة بالنظام الملكي. كما كان دور فهد في تمتين صفوف الحزب الذي أسقط معاهدات لتكبيل البلد. تغير دور الحزب مئة بالمئة قبل وأثناء وبعد الاحتلال ليؤيد ويوقع على ويبارك معاهدة 2008 التي رهنت العراق للامريكان.
ارتداد كامل عن الفكر الاشتراكي الذي تيناه واستشهد في سبيله آلاف وآلاف الشيوعيين، ولنا في كتاب لينين المادية ومذهب النقد التجريب الذي يناقش من خلاله الماركسيين الروس الذين أصابهم الاحباط وتقهقروا فكريا بعد فشل ثورة 1905 دليل ومنهج لمواجهة الانتكاسات والاخفاقات بسلاح الفكر. حيث خاطبهم: بعد خمسين سنة وانتم تجهلون الماركسية. عليكم العودة لقراءة هيجل
2024-01-12