مدرسة عبد الحسين شعبان!
محمد جواد فارس*
المثقفين بوصفهم من يسرع ويوزع ويمارس الثقافة٠ أي العالم الرمزي الخاص بالانسانية و الذي يتضمن العلم و الفن و الدين ٠
سيمور مارتن ليبست
يعتبر صديقي الصدوق عبد الحسين شعبان أحد أهم المثقفين العرب الاشكالين ٠ فبالرغم من اعتزازه بمدرسة اليسار ٠ الا أنه امن بوجوب تقديم قراءنقدية جديدة للماركسية و سلك طريق التجريب والجدل مبتعدا عن الايمانية التبشيرية على حد قوله ٠ليس هذا فحسب بل ساهم الى حدود غير قليلة في اطار التجديد و التنوير و الحداثة و العقلانية ٠
وبسبب من ضميره اليقظ و الحر وتوقه الى العدالة و المساواة انشغل بقضايا الديمقراطية و حقوق الانسان و المجتمع المدني و الأديان و القوانين الدستورية و الدولية٠ بما فيها قضايا النزاعات و الحروب و التسامح اللاعنف٠
وقد عمل جهده للجمع بين العمل الفكري و الممارسة العملية وبين العمل الأكاديمي و النضالي ، مثلما اعطى لنشاطه السياسي مسحة حقوقية ، كما زاوج بين السياسة و الثقافة ، فامتزجة مع بعضها البعض لدرجة لا يمكن فصلهما ، فهدفه الاسمى هو البحث عن الحقيقة و الخدمة العامة و اعلاء شأن الحقوق و التربية عليها ٠
وفي الحديث له عن تجربته بعنوان (محطات بين الثقافة و السياسة ) في الكوفة غاليري في لندن شباط / فبراير 1994 و أصدره لاحق بكراس بعنوان ( بعيدا عن أعين الرقيب ) ردد ماقاله الشاعر أكتافو بات من أنه ( اذا خلا رأس السياسي من الشعر فانه يتحول الى طاغية ) و هذا يقودني الى الحديث عن دور الشعر بشكل خاص و الأدب بشكل عام في تكوين عالم شعبان الروحي ،حيث ظل الجواهري الكبير ( ابو فرات ) ملازما له طيلة حياته ، وانعقدت بينهما لاحقاصداقة مديدة قاربت الثلاثة عقود من الزمن نتج عنها كتبا و مقابلات و حكايات ، واخرها الكتاب الموسوعي الذي صدر عن دار سعاد الصباح العام 2024 ٠
كما كان له صداقة متينة مع الراحل مظفر النواب أنجبت كتابه ( رحلة البنفسج ) و الذي صدر عن دار النهار في بيروت في العام 2023 , كما قرأ بعمق واعجاب لبدر شاكر السياب ، وعبد الوهاب البياتي ، ونازك الملائكة ، وبلند الحيدري ، ونزار القباني ، وسعدي يوسف و أدونيس ، ومحمود درويش ، ومصطفى جمال الدين ، ولميعة عباس عمارة وعاتكة الخزرجي و غيرهم ٠ وتأثر في بداياته بالمنفلوطي و جبران خليل جبران وبالطبع غاندي الذي بقى تأثيره الى اليوم ، وقرأ روايات يوسف السباعي و احسان عبد القدوس و نجيب محفوظ وتولستوي و بلزاك وهمنغواي و اخرين ٠
و على عقود من الزمن وقف شعبان موقفا داعما الى أقصى الحدود مع القضية الفلسطنية ، حيث شارك في مؤتمرات دولية عديدة ، وساهم في لجان تحضيرية لدعم القضية الفلسطنية ، كما حرر نصوصا و قرارات دولية و عربية لدعم حق تحرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ، وكتب مقالات في مجلات و صحف فلسطينية و عربية و أجنبية عن القضية الفلسطنية و الصراع العربي ( الاسرائيلي ) والصهيونية المعاصرة ٠
وهو من الحقوقيين القلائل الذين و بوقت مبكر ، أقترح الى تنظيم ( محكمة شعبية ) أي محكمة ضمير لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة ، وقد الف في ذلك كتابا بعنوان ( سيناريو أولي لمحكمة القدس الدولية العليا ) العام 1987 ٠وتأسست بمبادرة منه و زميله الدكتور جورج جبور اللجنة العربية لدعم قرار الامم المتحدة 3379 , و التي تم استبدال اسمها الى ( اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية و العنصرية ) و كان هو امينها العام وزميله جورج شغل رئاستها 1986 ٠
وعلى الرغم من عروبة عبد الحسين شعبان الطافحة ، كان ولايزال من المنشغلين بقضايا المجموعات الثقافية ( الاقليات) : وهي عبارة يتحفظ على استخدمها ، خصوصا الأكراد ، فخلال عمله أقدم على عدد من المبادرات المهمة منها انه نظم أول حوار عربي _ كردي في لندن العام 1992 بحضور 50 شخصية عربية و كردية ، وكان اول من دعا لتنظيم حوار بين مثقفي الأمم الأ بعة ( العرب و الترك والفرس و الكرد ) كما اضافة الأمازيغيين من المغرب العربي و الأرمن ايضا على حد تعبيره ، وتحقق ذلك لأول مرة في تونس تلبية لمبادرته من جانب المعهد العربي للديمقراطية 2016 , ودعا ايضا الى ويستفاليا عربيةو اخرى مشرقية ٠
كما تحفظ على اعلان الامم المتحدة ( اعلان حقوق الأقليات ) العام 1992 في مراسلة له مع بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة ، على الرغم من تقديره الايجابي له ، لاسيما اعترافه بحقوق ( المجموعات الثقافية ) لكنه اعتبر أن أستخدام القرار مصطلح ( الأقليات )انما يستبطن الهيمنة و التسيد من جهة ، مثلما يفترض الخضوع و الاستتباع من جه أخرى ، الالم الذي يعني الانتقاص من مبدأ المساواة ومن الاعتراف المتكافئ ،بغض النظر عن الاقلية و الأكثرية ،وظل متمسكا بمبدأ حق تقرير المصير ببعده الحقوقي و الأنساني ٠
و شعبان من الشخصيات العربية التي امنت بالتسامح و دعت اليه ،و كان من المبادرين لادانة ماتعرض له المسحيون في العراق والبلدان العربيةو ما يواجهونه من تحديات ، و هم اهل البلاد الأصليون بهدف اجلائهم من ديارهم فهم متصالحوا مع الأديان و المعتقدات رغم التوجه المدني و العلماني ، لذلك نجد أن الكثير من اصدقائه ليس فقط من المثقفين و المفكرين بل من رجال الدين أيضا بالاضافة الى الناس العادين ، و أن دل ذلك فهو يدل على تواضعه ومحبته الخالصة ٠
تمتد صداقتي مع المفكر الموسوعي عبد الحسين شعبان الى أكثر من خمسة عقود من الزمن ، حيث تعرفت عليه عندما كان أحد ابرز قادة اتحاد الطلبة العام في العراق 1967 وامتدت هذه العلاقةبحضور مؤتمرات و لقاءات لأتحاد الطلبة ، كما عملنا سويا في الحزب الشيوعي العراقي ، وعدت والتقيت به مرة أخرى في دمشق مع كبار المثقفين العراقيين و العرب ، كما عملنا سوية في جريدة ( المنبر ) الذي كان هو يرأس تحريرها، وكان لنا اراءنا الخاصة بعدة مواضيع مختلفة ، منها الحرب العراقية _ الايرانية .
عبد الحسين شعبان يمثل مدرسة حقيقية ، حيث تتلمذ و يتتلمذ الى الان على يده أجيال من الشباب ، وماتزال أفكاره تثير جدلا و نقاشا و حورا و أهتماما كبيرا ،ولذلك هو يجسد روح حية متطلعة الى المزيد من العلم و المعرفة و الثقافة و الجديد ٠
ومن خلال متابعتي لطروحاته المتمردة و ارائه الحداثية ووجهات نظره ، أنه فعلا أستحق و بحدارة لقب المثقف العضوي ، حسب تعريف غرامشي ، متمنيا له دوام الصحة و العمر المديد ، ليمدنا بالمزيد من افكاره النيرة ٠
طبيب وكاتب
2026-09-24