ماهي العلمانية ؟ ( القسم الثاني والأخير )
علي رهيف الربيعي
إن العلمانية ارتبطت بأكثر من معنى ، فهي ليست فقط بمعنى فصل الدين عن الدولة كما هو شائع في العالم العربي ، بل كان الارتباط الأوثق بين العلمانية والفكرة القومية ، حين : ” انبثقت من ثقافة ديمقراطية وصراع في سبيل التقدم وكرامة الإنسان ، وجاءت بمثابة تأكيد على قدرته على تنظيم شؤونه تنظيما عقلانيا ، بلا قبليات . لذا فالمبدأ الأساسي في العلمنة يؤكد أن الدين أمر شخصي ، وينبغي ، بالتالي ، فصله عن الدولة والمدرسة والأحوال الشخصية ” (١) .
وتعتبر العلمانية منظومة متكاملة ، فهي على المستوى المعرفي ، معادل للعقلانية ، والرؤية الدنيوية الأرضية إلى الكون ، والإنسان ، والمجتمع ، والثقافة . وعلى المستوى القومي ، تغدو العلمانية الشرط التاريخي ل ” الاندماج القومي ” الذي يتجاوز التكسير الاجتماعي ، ويصفي تناثر الأمة . وعلى المستوى السياسي ، تبدو شرطا ضروريا للديمقراطية ، فلا يمكن دمقرطة المجتمع دون علمنته ، فالوجه الأول لأي مشروع قومي هو العلمانية والثاني هو الديمقراطية . إن الكثيرين لا يدركون تماما ماهية العلمانية هذه ومدى أهميتها من أجل بناء مجتمع ديمقراطي على مستوى تحديات العصر . ولعل السبب في رفضهم العلمانية هو أنهم يخشون أن تكون مرادفا لمعاداة الدين : ” أزعم أن هذا الخلط لا أساس له ، بل أزعم أن العلمانية من شأنها أن تحرر الدين من استغلال السلطة له . وبالتالي فإن العلمانية من شأنها أن تقوي بعد القناعة الفردية الحرة من العقيدة ، وذلك من خلال فك الربط بين الدين والسلطة ” (٢) .
وعندما تطرح العلمانية ، بمعنى عدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية لمواطنيها وبحيث تكون المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة والمواطن ، فإنها في هذه الحالة أقرب لأن تكون مفهوم سياسيا ، يشكل ضمانة أكيدة للمساواة ولتلاحم المجتمع ، حيث تكون العلاقة بالوطن والدولة علاقة سياسية ولست علاقة دينية قد تحد من المساواة السياسية بين أصحاب الديانات المختلفة .
لقد طرح شعار العلمنة في المشرق العربي بالترابط مع شعاري الاستقلال والوحدة ، ومن هنا : ” جاء تبني الفكر القومي العربي لشعار العلمانية الذي كانت دلالته ملتبسة بمضمون شعاري الاستقلال والوحدة ” . فقد : ” ارتبطت المفاهيم الثلاثة ببعضها ارتباطا عضويا : العلمانية والاستقلال والوحدة ، لتعني شيئا واحدا هو قيام دولة عربية في المشرق غير خاضعة للدولة العثمانية ” (٣) .
إن العلمنة منظومة عقلية منطقية غير قابلة للتجزئة ، فليس ثمة نصف علمنة ، كما أنه ليس هناك إمكانية لعلمنة حيز من المجتمع دون الآخر ، فهي لا تكون فاعلة في المجتمع ما لم تتناول كل بناه الثقافية والاجتماعية والسياسية .
المصادر :
(١) الحافظ ، ياسين : التجربة التاريخية الفيتنامية / تقيم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية ط٣ / دمشق دار الحصاد ‘ ١٩٩٧ .
(٢) د . أمين ، سمير : بعض قضايا للمستقبل … ، المرجع السابق ، ص ١٤٣ .
(٣) د . الجابري ، محمد عابد : وجهة نظر / نحو اعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر ، ط ١ ، بيروت المركز الثقافي العربي ، ١٩٩٢
2019/04/07
انتهى