ماذا تُريد السعوديّة من زيارة وزير خارجيّتها لكييف “غير المُعلنة مُسبقاً” ولقائه زيلينسكي وتجوّله فيها؟..
هل ثمّة ما يُغضب موسكو؟
وماذا عن منح الرياض أوكرانيا 400 مليون دولار مُساعدات “غير مشروطة” ومنعها عن الأردن ومِصر “الشّقيقتين” حسب تساؤل بعض رواد التواصل الاجتماعي؟
قبل أسبوعٍ تقريباً، زار الرئيس الأمريكي جو بايدن العاصمة الأوكرانيّة كييف، وتجوّل فيها مُتحدّياً روسيا كما حاول الظهور، وها هو وزير الخارجيّة السعودي فيصل بن فرحان هو الآخر يزور كييف، “بشَكلٍ مُفاجئ”، ويلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ثمّة تساؤلٌ يُطرح الآن، هل سارت الرياض على خُطى واشنطن في تلك الزيارة؟ ولماذا أقدمت على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟ وما هي الأهداف التي تتطلع الى تحقيقها من ورائها؟
الإجابة بالنسبة للمُراقبين قد لا تكون نعم فاصلة، ولا لا قاطعة، فالعربيّة السعوديّة اختارت الحياد مُنذ بدء الأزمة الأوكرانيّة- الروسيّة، بل ذهبت في بعض المواضع للتصعيد وكسر ميزان الكفّة، حين اختارت روسيا، ورفضت زيادة الإنتاج النفطي بناءً على طلب واشنطن، تعود الرياض لكييف إذًا من بوّابة خلق التوازن، ولكن بعد دخول الحرب في أوكرانيا عامها الثاني، وتُقدّم مُساعدات لا بأس بها لأوكرانيا بقيمة 400 مليون دولار.
موسكو التي توطّدت علاقتها مع السعوديّة بالشّكل التصاعدي الإيجابي، قد تكون غير مُمتنّة لهذه الزيارة السعوديّة لخصمها نظام كييف، خاصّةً وبشكلٍ لافت أنها زيارة جاءت بتوقيع الأمير فيصل بن فرحان، وأوّل مسؤول سعودي وعربي يزور أوكرانيا مُنذ ثلاثين عاماً، ولكنّها زيارة أيضاً بقيت مُتوازنة في شكلها، ولم تصل لمُستوى توجّه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي لبلاده، وإظهار دعم بلاده لكييف، كما أن الرياض لم تتخلّ عن دعم اتفاق “أوبك+” رغم الضّغوطات، ومع هذا، هذه الزيارة ليست مُفاجئة لموسكو رغم عدم الإعلان عنها مُسبقاً، فهي تعلم عن كل الداخلين والخارجين إلى كييف بحُكم التنسيق العسكري، وعدم ضرب كييف خلال هذه الزيارات، والرئيس بايدن نفسه أعلن أنه جرى إبلاغ موسكو بزيارته لكييف.
دول مِثل مِصر، والأردن، وغيرها من دول، تعتمد على المُساعدات الماليّة السعوديّة، وموسكو ليس بينهم بالتأكيد، سيتبادر لأذهانها سُؤال حول تجاهلها وهي “دول شقيقة” وربطها بالمُساعدات المشروطة، في حين جرى تقديم مُساعدات بقيمة 400 مليون دولار لأوكرانيا، جاءت على شكل مُساعدات إنسانيّة ونفطيّة، أجازتها السعوديّة كما قال الوزير بن فرحان لأوكرانيا في تشرين أوّل الماضي، الإجابة بأن موسكو قد لا تُعارض تقديم المُساعدات الإنسانيّة مع التحفّظ على النفطيّة، وبالتالي ثمّة تفهّم ما لزيارة الوزير السعودي حيث بلاده لم تمنح السلاح المُغيّر للمُعادلات في الحرب مثل الزائرين الأوروبيين ودبّاباتهم، كما أن العامل الإنساني مُهم في فصل الشتاء، والسعوديّة ستعرف كيف سيجري إنفاق هذه الأموال كُمساعدات في أوكرانيا، ما يُحقّق شرطها الذي جاء على لسان وزير الماليّة السعودي محمد الجدعان، والذي أكّد بأن عصر منح المُساعدات بدون شُروط قد تغيّر.
السعوديّة يُذكر أنها كانت واحدة من 141 دولة صوّتت الأسبوع الماضي لصالح قرار غير مُلزم، يدعو لانسحاب القوات الروسية من أراضي أوكرانيا، ثم جاءت زيارة الوزير بن فرحان لكييف، حيث تبحث الأخيرة عن أي دعم قد يلوح بالأفق، هذا يطرح علامات استفهام عند المسؤولين الروس حول الموقف السعودي، بكّل حال (القرار غير مُلزم)، ولكن كان للمملكة دور سابق في تشكيل عمليّات تبادل للأسرى بين روسيا واوكرانيا، ما يعني أنه يُمكن لأن تكون زيارة الوزير فيصل بن فرحان في سياق هذه الغاية أيضاً لتعزيز دور بلاده كوسيط.
الصّحف الغربيّة وصفت زيارة الوزير السعودي لكييف بزيارة السّلام، وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر عن موسكو مواقف تُذكر، والشّكر الذي صدر عن المسؤولين الأوكرانيين للسعوديّة وزيارتها الدّاعمة طبيعي ومُتوقّع رغم أن كييف تأمل بالمزيد من الرياض، الأهم أن الوزير السعودي بن فرحان يزور كييف كأوّل مسؤول ليس فقط سعودي، وإنّما عربي مُنذ الاجتياح الروسي، توقّف البعض عند مشهد تجوّله بالعاصمة كييف رغم الحرب والحصار، ما يضع بنظرهم العرب مُمثّلين بالسعوديّة كلاعب دولي في أزمة عالميّة، قد تصل لمُستوى حرب عالميّة، وقُدرتها على التأثير في الموازين بسلاح النفط والمال، وربّما لعب دور الوسيط المقبول والمُحايد للجميع لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الثاني.
غادر إذًا وزير الخارجيّة السعودي الأمير فيصل بن فرحان كييف عبر القطار الرئاسي الذي أقلّه إلى بولندا، تماماً كما غادر الرئيس الأمريكي جو بايدن كييف بالقطار نفسه نحو وارسو، حيث الأوّل قدّم 400 مليون دولار مُساعدات سعوديّة إنسانيّة، والثاني بايدن بمُساعدات عسكريّة جديدة بقيمة 500 مليون دولار!