ما هي فرص نجاح جولة التفاوض المقبلة إنْ عقدت؟
سعادة مصطفى أرشيد*
يملك الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقدرة على القفز برشاقة بين المتناقضات، فهو يطلق التهديدات بالعودة للحرب ومحو الحضارة الفارسية العريقة والنسخة الشيعية من الدين الإسلامي، ليعود في اليوم التالي للحديث عن التفاوض وعن الأخبار الواعدة بالوصول إلى نتائج تنهي الحرب.
التفاوض الحقيقي في هذه الحالة يبدأ في ساحة القتال وبالسلاح، ففي الميدان ينتصر فريق على آخر أو يعجز فريق عن إخضاع خصمه وكسر إرادته السياسية، وبموجب هذه الموازين ينتقل للتفاوض من ميادين الحرب إلى الصالات المغلقة والموائد المستديرة، وينشط الوسطاء في السعي بين الفريقين.
لا زالت باكستان هي المفاوض الرئيس، ولكن الصين قد دخلت على خط التفاوض بقوة وهذا ما سنراه في الأيام المقبلة، ولعل زيارة الرئيس بوتين للصين مثلت اندفاعة مشتركة بين بكين وموسكو رأت أن أمن البلدين واحد ومشترك مع إيران، وهذا ليس في عالم المصالح على أهميته وإنما يضاف إليه حكم التاريخ وديكتاتورية الجغرافيا.
حسب ما يقول الوسيط الباكستاني إنه قدم لطرفي الحرب خريطة طريق تفاوضية من مرحلتين، وإن التفاوض المقبل سيجري على أرضية خريطة الطريق هذه؛ المرحلة الأولى تشمل وقف إطلاق نار يمتد لـ 60 يوماً وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية مع بقاء كل من الجيش الأميركي والجيش الإيراني كل في مكانه، ورفع القيود عن الأموال الإيرانية المحتجزة في البنوك بقيمة 25 مليار دولار، وعلى أن لبنان هو جزء أصيل من أي اتفاق، ثم يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية لمناقشة الملف النووي الإيراني من حيث توقف التفاوض.
ويبقى السؤال: هل ستصل المفاوضات بموجب خريطة الطريق الباكستانية هذه إلى وقف الحرب؟ والإجابة تكمن في الحدود الدنيا التي ممكن أن يقبل بها كل طرف من أطراف الحرب وهي لا تزال تبدو بعيدة؛ الرئيس الأميركي يفترض أن حربه هذه قد حققت نصراً مؤزراً وأنه قد استطاع بقوة جيشه وضرباته أن يغير من عقيدة القيادة الإيرانية السياسية، وأن إيران فقدت مخزونها العسكري، وأن شعبها قد أخذ يضيق ذرعاً بقيادته وهو جاهز للتحرك ولإسقاط النظام، وأن مضيق هرمز أصبح مفتوحاً أمام من يريد المرور وهذا ما تكذبه الحقائق، ويعلن أن لا مجال ولا بأي حال من الأحوال السماح لإيران بامتلاك اليورانيوم عالي التخصيب والتي عليها أن تسلمه للولايات المتحدة، فيما يرد على ذلك مرشد الثورة الإيرانية بقوله إن بلاده لن تسلم اليورانيوم عالي التخصيب لا للولايات المتحدة ولا لوكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة ولا لأي جهة كانت، فهو ذخر إيراني ومن حق إيران امتلاكه، أما ما يصدر عن الأوساط السياسية الإيرانية فيشير إلى مجموعة من المطالب؛ منها انسحاب القوات الأميركية لا من محيط إيران المباشر فحسب وإنما من الخليج بكامله، ويصر على وحدة الساحات الذي يشمل الحرب الإسرائيلية على لبنان (والمفارقة هنا هي في غياب كل من بيروت الرسمية وتل أبيب عن التفاوض)، وأخيراً فإن مضيق هرمز وإن كان سيبقى سالكاً أمام الملاحة إلا أنه سيخضع لإدارة إيرانية – عُمانية يتم الاتفاق عليها بين البلدين وفي معزل عن أي طرف ثالث.
مما تقدم نستطيع أن نرى بوضوح وأن نقول بصراحة إن الهوة التي تفصل بين طرفي الحرب لا زالت عميقة ولم تردم أو يبنَ من فوقها جسر، فقد نكون أمام العودة إلى المواجهة العسكرية سريعاً، وقد نكون أمام جولة تفاوضيّة قد تكون طويلة، ولكنها لا تبدو حتى الآن قادرة على الوصول إلى نتائج حاسمة طالما لا زال كلٌ يرى الأمور على أنه منتصر في هذه الحرب، وهذا يعني أنها تحتاج إلى جولات قتال جديدة وإن تخللتها جولات تفاوض.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة
2026-05-26