بعد زيارة شكري لدِمشق.. هل ستتقارب مِصر “تدريجيًّا” مع محور المُقاومة عبر البوّابة السوريّة؟
وما دور إغلاق “حنفيّات” الدّعم المالي الخليجي بهذا الانقِلاب المِصري المُحتَمل؟
وما تفسير استِمرار المُقاطعة الثّلاثيّة القطريّة المغربيّة الكويتيّة لسورية؟
تسارع “الحجيج” العربيّ الرسميّ إلى دِمشق في الأسابيع القليلة الماضية واتّساع دائرته، وإقدام الرئيس بشار الأسد على القيام بزيارةٍ إلى مسقط عاصمة سلطنة عُمان هي الثانية بعد زيارةٍ مُماثلةٍ إلى أبو ظبي، وتلقّيه عدّة مُكالمات هاتفيّة من قادةٍ عرب للتّضامن مع سورية وتقديم التّعازي بشُهداء الزلزال، جميع هذه المُؤشّرات تُنبِئ بتآكُلٍ مُتسارع لحالةِ القطيعة العربيّة مع الدّولة السوريّة، وكسْر الأخيرة “جُزئيًّا” لحالة الحِصار التي تعيشها مُنذ 11 عامًا، ولكن ما يلفت النّظر وسط كُل هذه التحرّكات، هو هذا الحِراك السّياسي والدّبلوماسي المِصري المُفاجئ والمُتصاعد، ليس للانفِتاح على سورية فقط، وإنّما على تركيا، وقطر، وليس على العواصم التقليديّة الحليفة للقاهرة طِوال العقد الماضي، ونحن نتحدّث هُنا عن الرياض وأبو ظبي تحديدًا.
ففي الوقت الذي حطّت فيه طائرة السيّد سامح شكري وزير الخارجيّة المِصري في مطار دِمشق للمرّة الأولى مُنذ 11 عامًا، في زيارةٍ استغرقت أربع ساعات، طار الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المِصري إلى الدوحة على رأسِ وفدٍ ضخم يضم حواليّ خمسة وزراء، وحظي باستقبالٍ رسميّ حافل في الدّيوان الأميري من قِبَل نظيره القطري.
لا نُجادل مُطلقًا في أهميّة هذا الانفتاح العربي على سورية الذي جاء بعد صُمود الجيش العربي السوري طِوال فترة الأزمة، وفشل المُؤامرة، وتُجسّد بشَكلٍ واضح في زيارةِ وفد برلماني عربي تغيّبت عنه ثلاث دول للأسف هي قطر والمغرب والكويت، ولكنّ التطوّر الأهم في رأينا هو ما نلمسه من حِراكٍ دبلوماسيّ مِصري يعكس بداية تغيير، وبالأحرى انفتاح تدريجي على محور المُقاومة، في ظِل حالة “البُرود” التي تعيشها العلاقات المِصريّة مع كُل من الولايات المتحدة والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة، ومع الكويت بدرجةٍ أقل، ويتساءل الكثير من المسؤولين أو حتى في أوساط الشّعب السّوري: لماذا هذا “الجُحود” من قِبَل الكويت التي ساهمت قوّات سُوريّة في “تحريرها” من الغزو العِراقي؟ وماذا فعلت سورية للمغرب حتّى تُقاطعها وحُكومتها؟
الرئيس المِصري، وحسب تقديرات بعض المُراقبين، استغلّ أزَمة الزّلزال الذي ضرب سورية وتركيا للاتّصال هاتفيًّا مُتضامنًا ومُعزّيًا نظيريه السّوري والتّركي، وإرسال وزير خارجيّته لزيارة عاصمتيّ البلدين في مُبادرةٍ حملت عُنوانًا علنيًّا إنسانيًّا أيّ “المُواساة والتّعزية”، ولكنّ الهدف الحقيقي هو ترميم الجُسور السياسيّة والإقليميّة مع الدّولتين المَذكورتين، وتعديل مسار السّياسة المِصريّة وتحالفاتها الإقليميّة.
مِصر تعيش هذه الأيّام أزَمةً ماليّةً طاحنةً، أحد أبرز عناوينها حتميّة الحُصول على 14 مِليار دولار فورًا لتسديد أقساط دُيونها لصندوق النقد الدولي ودول دائنة أُخرى (حجم الدّين الخارجي المِصري 156 مِليار دولار)، وإلا لن يكون أمامها أيّ خِياراتٍ أُخرى غير بيْع شركات الدّولة وأُصولها الاستراتيجيّة وأبرزها قناة السويس، أو مُؤسّسات تابعة لها، وتنفي السّلطات المِصريّة بقُوّةٍ عزمها بيع أو تأجير القناة التي تُعتبر خطًّا أحمر بالنّسبة لها وللشّعب المِصري، وتَدُرّ دَخْلًا سنويًّا للخزينة المِصريّة يصل إلى 7 مِليارات دولار.
الدّول الخليجيّة، وخاصّةً المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات لم تتجاوب مُطلقًا مع الطّلبات المِصريّة “الإلحاحيّة” للمُساعدات الماليّة، وتُفيد تقارير إخباريّة أن زيارة الرئيس المِصري الأخيرة للإمارات تحت غِطاء المُشاركة في مُؤتمر الحُكومات، ولقائه مع كِبار المسؤولين فيها لم تُغيّر هذا الموقف.
محمد الجدعان وزير الماليّة السعودي كانَ حاسِمًا في كلمته أمام مُنتدى دافوس عندما قال إن المملكة تخلّت عن سياسة تقديم مُساعدات، ومنْح لدول عربيّة، مُساعدات أو قروض أو ودائع، دُونَ شروط وقبل تلبية الإصلاحات الماليّة المطلوبة، في رسالةٍ واضحةٍ وصريحةٍ لكُل من مِصر والأردن تُفيد بأنّ زمن المُساعدات والمِنَح المجّانيّة “ولّى إلى غيرِ رجعةٍ” والاستِثمارات ذات العائد المُربح هي العُنوان الأبرز للمرحلة المُقبلة، وقد أعذر من أنذر.
ما نودّ الوصول إليه بعد إيراد كُل ما تقدّم، هو أن هُناك مُؤشّرات تُفيد بأنّ مِصر التي تتفاقم فيها الأزمة الماليّة، وتتزايد التوقّعات بتراجعٍ جديد لقيمة العُملة الوطنيّة (الجنيه) من قِبَل الخُبراء في مِصر وخارجها، ووجود حالة من التّململ الشّعبي الغاضِب الذي قد يتحوّل إلى انفجارٍ يَصعُبُ السّيطرة عليه، نتيجة تفاقم الصّعوبات المعيشيّة والغلاء الفاحش، واتّساع حجم شريحة تحت خطّ الفقر الأكبر في المِنطقة العربيّة، وذوَبانٍ مُتسارع للطّبقة الوُسطى، في ظِلّ هذه المُؤشّرات، أكّدت لنا مصادر مِصريّة عليمة أنّ هُناك “مُراجعات” جديّة في دائرة السّلطة المِصريّة، وعلى أعلى المُستويات لكُل السّياسات والتّحالفات العربيّة والإقليميّة والعالميّة، وستكون نتائجها مُفاجئة، وربّما صادمة للعديد من الحُكومات العربيّة والدوليّة.
العُنوان الأبرز لنتائج هذه المُراجعات هو العودة إلى سورية الحليف الاستراتيجي الذي تمتدّ جُذوره لقُرون، وهذا ما يُفسّر استِغلال الرئيس المِصري لكارثة الزّلزال لمُخاطبة نظيره السوري وإرسال مُساعدات إنسانيّة في حُدود 1500 طن من المواد الغذائيّة والطبيّة لمُساعدة الضّحايا، وإرسال وزير الخارجيّة إلى دِمشق حامِلًا رسالة تضامن من الرئيس.
هل هذا التّحرّك المِصري الجديد يتّسم بتحوّلٍ جدّي، أم مُجرّد مُناورة لدفع بعض الدول الخليجيّة إلى تغيير مواقفها وإعادة ضخّ المُساعدات لمِصر؟ وإذا كانَ جديًّا، وهذا ما لا نستبعده، هل سيشمل إعادة العلاقات مع محور المُقاومة بزعامة إيران عبر البوّابة السوريّة، وبدرجةٍ أقل البوّابتين العُمانيّة والقطريّة المُقرّبتين من إيران؟
نترك الإجابة على هذه الأسئلة للأسابيع المُقبلة، وما يُمكن اختِتام هذا المقال الافتتاحي به، هو القول إن العرب أخرجوا سورية من الجامعة العربيّة وحاصروها بقِيادة مِصر وغطائها، وسيعودون إليها حتمًا عبر القِيادة المِصريّة أيضًا، ويبدو أنّ هذه العودة التي لم تَسْعَ إليها القِيادة السوريّة، وظلّت مُتَمتْرسَةً في مكانها كالجبَل، باتت وشيكةً وتحصيل حاصِل.. واللُه أعلم.
“رأي اليوم”
2023-02-27