نداء للرئيس اللبناني!
وليد عبد الحي
سيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون الموقر:
ارجو ان تسمح لي سيادة الرئيس بان ابدأ رسالتي بقول الكاتب الامريكي “واين داير” ( (Wayne Dyer) بانك إذا غيرات طريقة نظرك للأشياء فان تللك الاشياء ستتغير”، ويبدو أن نظرتك السياسية لاسرائيل تبدو قائمة على مضمون محدد ، وهو امكانية اقامة علاقة طبيعية مع اسرائيل والحصول على كل المطالب اللبنانية القانونية من هذه الدولة وبدون ضغوط ، وهو ما يعني انك تنظر لاسرائيل “كدولة طبيعية” يمكن بناء العلاقات معها كأية دولة اخرى، وهنا ياتي سؤالي الاول: هل قاعدة تفكيرك هذه هي قاعدة مبنية على اساس “علمي” ام هي “استجابة لنزوع دفين تواريه اتفاقات اقليمية ودولية تتضمن دعم ترشيحك للرئاسة مقابل لجم الدور اللبناني في الصراع العربي الاسرائيلي والتضييق على الفضاء الاستراتيجي الايراني وافساح المجال لتوسيع قاعدة الاتفاقات الابراهيمية ؟ وللتثبت من ذلك ،فقد ذكرت نصا في خطابك الاول بعد تولي المنصب بأنك ستعمل على ” التخلص من الاحتلال الاسرائيلي ..وتأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح”، وها قد مضى أكثر من عام على توليك السلطة ،ولم نر أية مؤشرات على تحقيق اية نسبة من هذين المطلبين بغض النظر عن مضمونهما ودلالاتهما ، بل ان الامور ازدادت سوءا،فالقتال والاغتيالات لم يتوقفا، ويكفي ان اشير لك بان بلادك تحتل المرتبة 172 في معدل الاستقرار السياسي الذي وصل الى 1.52 بالسالب (من 2.5 بالسالب كأعلى درجات عدم الاستقرار)، وتحتل المرتبة 138 في معدل الدخل الفردي ، فلا استقرار سياسي ولا استقرار اقتصادي، يضاف لذلك الضعف الشديد في مؤشر القوة العسكرية (powerindex ) الذي تحتل فيه لبنان المرتبة 118 بمعدل 2.6521، مما يجعل من جيشك اقرب للفرق الكشفية.
سيدي الرئيس:
في ظل معطيات الوهن السابقة ، فان التدثر بصياغات لفظية تحاول تكريس دلالاتها بالعقلانية ،لن تجدي ،بل لا بد من الاخذ في الاعتبار المعطيات التالية:
1- ان الطرف الاسرائيلي يجعل أمن الدولة- الكيان الجيوسياسي والجيواستراتيجي- يعلو على امن النظام السياسي الاسرائيلي بل وأمن المجتمع، اي ان اسرائيل لا ترى اي خطوة او مشروع الا من زاويته الامنية اولا، فاسرائيل تضع الاحتمال التالي: حتى لو تمكنت الحكومة اللبنانية من نزع سلاح المقاومة ،فان اسرائيل تبقي على الاحتمال التالي” كيف اضمن عدم ظهور مقاومة جديدة ، وكيف اضمن امن المستوطنات، وماذا لو تغير النظام الحالي في سوريا مهما كان الاحتمال ضعيفا ، وماذا لو تزايد ظهور الغاز في منطقة متنازع عليها مع لبنان، …الخ، أي ان اسرائيل ستضع المتغيرات حتى شبه المستحيلة في اعتبارها، وتبني رؤيتها الاستراتيجية على اساس “تطويع أمن الآخرين لخدمة امنها”، فهي لن تعطيك شيئا الا بعد أن تأسر مستقبل الامن في بلادك بيدها،ويدها وحدها، ويكفي –سيدي الرئيس- التمعن في موقف اسرائيل من منظمة التحرير الفلسطينية التي اعطت اسرائيل كل ما طلبته حتى “سرير نومها”،لكن دراسة أكاديمية لبنود اوسلو التفصيلية تُبين ان اسرائيل نفذت 4.7% من اوسلو فقط.
2- يمكنك تكليف اي موظف لرصد ترتيب دول العالم حسب عدد الادانات الصادرة عن المنظمات الدولية وبخاصة الامم المتحدة ضد كل دولة في العالم، ستجد ان مجموع الادانات لاسرائيل تعادل ثلاثة اضعاف مجموع الادانات لبقية الدول الاعضاء ال 193 دولة، وهو ما يعني ان الالتزام الاسرائيلي بالقوانين والاتفاقيات امر يجب وضعه في راس قائمة الاحتمالات عند التعامل مع اسرائيل على اساس محدد وهو انه “ليس الا اوهاما” بحكم الخبرة التاريخية.
3- فقدان كل عوامل الضغط على الطرف الآخر: سيدي الرئيس ، المفاوضات الدولية (وانت تحمل شهادة في العلوم السياسية) ليست فن الاقناع، وليست مناقشة اكاديمية عقلية ، بل هي “فن توظيف متغيرات القوة الخشنة والناعمة لتحقيق اكبر قدر من المكاسب او اقل قدر من الخسائر”، فطاولة المفاوضات هي انعكاس امين جدا لمقومات القوة الميدانية ، وهنا اسمح لي بالسؤال التالي: ما هي ادوات ضغطك لاجبار اسرائيل على الانسحاب الكامل واعادة الاسرى و السماح بعودة المهجرين …الخ من مطالب لبنانية؟ فانت “لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ”، فانت لا تملك قوة عسكرية ، واقتصادك نخره الفقر والفساد ، ومجتمعك مُشظى بنيويا ووظيفيا، فحدد لنا ما هي ادوات ضغطك؟
4- هل تجربة العرب في الاتفاقيات مع اسرائيل تغويك لتتابع رؤيتك الحالية، فمصر منذ اتفاقها مع اسرائيل تراجعت في المكانة الدولية أكثر من 76 مرتبة، وتم اكتشاف عشرات خلايا التجسس الاسرائيلية فيها، وسوريا لم تَعُد معروفة حدودها الدولية بل اصبحت ميدانا للتدريب القوات الاسرائيلية وتسعى لهندسة البنية الاجتماعية الديموغرافية فيها، والاردن لم تحترم اسرائيل لا وصاية هاشمية على المقدسات ولا اتفاقات الماء ولا نشاطات وكالة غوث اللاجئين ،بل وكثيرا ما عملت على المس بالسيادة من خلال التكرار لخرائط اسرائيل الكبرى التي يعرضها نيتنياهو باستمرار، اضف لذلك الادوار الاسرائيلية في السودان والصومال لاند و اضطراب الخليج بل والتسلل لدول الساحل الافريقي بكل ما له من تداعيات على امن دول المغرب العربي …الخ.
5- اذا كان مطلب التفاوض المباشر مطلبا اسرائيليا امريكيا ،فماذا اخذت مقابله ؟ فلو انك طلبت الانسحاب اولا من كل الاراضي اللبنانية ،ثم يجري التفاوض أو وقف الغارات او وقف اطلاق النار التام او اعادة الاسرى…او …،لكنك جلست على طاولة المفاوضات دون ان تطلب مقابل ذلك..فشايلوك سيدي الرئيس لا يعطي دون مقابل..ودول الخليج لن تفي بما تعدك به ، وفي هذا الجانب تطول القائمة.
6- ليتك تسأل سيادة الرئيس رئيس وزرائك عن ما نفذته اسرائيل من قرارات المحاكم الدولية التي خبرها تماما ؟ فقد سخر نيتنياهو من قرارات المحاكم الدولية بكل ما لها من وزن معنوي عالمي، فهل لك ان تطلب منه تحديد وزنه النوعي للتأثير على اسرائيل للاستجابة لمطالبه في ظل المعطيات التي اشرت لها في بداية هذه الرسالة؟
اخيرا ،سيدي الرئيس ، تأمل في مقولة ” واين داير”…سترى الاشياء مختلفة عم تروجه الآن…مع احترامي.
2026-05-26