ماذا بعد فشل المرحلة الإصلاحية في الأردن!
جمال الطاهات
إن فشل الحركات الإصلاحية هو بمثابة شهادة ولادة الحركات الثورية. استعصاء الإصلاح هو البوابة العريضة للخيارات الثورية. وهذه من مفارقات التاريخ. إلحاق الهزيمة بالحركات المطلبية والإصلاحية وتفكيكها، ليس انتصارا للمستبد الفاسد وعائلته، بل هو هزيمة له أيضاً.
الحركات الإصلاحية بحكم تعريفها هي، كما المجموعة الحاكمة، جزء موضوعي من المنظومة، وقيام المستبد الفاسد بالتعرض لها وإلحاق الهزيمة بها، هو يهزم نفسه أيضاً، ويحكم على حكمه بالفناء.
والتاريخ مليء بهذه القصص، وبالذات التاريخ الحديث. أولى الثورات التي شكلت الدولة الحديثة، بدأت بعريضة غصن الزيتون وقعها بضعة أفراد. مطالبة سلمية بعمل إصلاحات. وكان رد الملك جورد الثالث، هو البطش بالمطالبين بالإصلاح، هذا البطش هو الذي ولد الخيار الثوري. وقبله كانت الحروب الدينية في أوروبا. وقد بدأت بمطالب واضحة أعلنها كاهن واحد: مارتن لوثر كينغ، بتعليق مطالب إصلاحية في كنيسته. وبدلاً من التعامل معها كعنوان ضروري للتطور والإصلاح، حاول البابا البطش به. فحين فشل خيار الإصلاح، تشكل الخيار الثوري الذي قوض سلطة البابا، بعد فقدان الأمل بإمكانية إصلاحها.
فشل الخيار الإصلاحي، لا يعني صحة الوضع القائم، بل هو دليل عدم قدرة النظام على التطور، وأنه دخل مرحلة الموت التاريخي. فكما أن هناك في الطب ما يسمى الموت السريري للمريض حين يفقد دماغه القدرة على الاستجابة الواعية، هناك ما يمكن تسميته بالموت التاريخي للنظم السياسي، وتتلخص بفقدانه القدرة على الاستجابة السياسية الواعية لمتطلبات ومطالب الإصلاح والتطور.
وفي اللحظة التي يفقد فيها النظام السياسي القدرة على الاستجابة الواعية للمتطلبات الموضوعية للتطور، يكون قد دخل مرحلة الموت التاريخي، والتي تسبق عادة موته السياسي، والذي يتم إعلانه بميلاد الحركة الثورية، كضرورة لإنقاذ الدولة.
فالحركة الثورية هي الوريث الشرعي للحركات الإصلاحية، وهي امتداد لها، وهي استجابة موضوعية لحقيقة الموت التاريخي للنظام السياسي.
القابلة التاريخية التي تولد الحركات الثورية من رحم الحركات الإصلاحية هي إصرار المستبد الفاسد على إلحاق الهزيمة بالحركة الإصلاحية، وأتمسكه بتكتيكات غبية مثل منطق الخداع، وتفكيك الحركة الإصلاحية والاحتيال على مطالبها، والتنكيل بنشطائها. وبدل من الاستجابة للمطالب الإصلاحية قام بتركيز السلطة بين يديه، وأطلق أيادي أقاربه وحواشيهم لنهب كل ما يمكنهم نهبة من موارد الدولة، ولجأ للقوة والبطش للتعامل مع الإصلاحيين، وزجهم بالسجون.
ببساطة أصبحت المطالبة بالإصلاحات الضرورية أمراً مكلفاً على الإصلاحيين، أكانوا داخل مؤسسات الدولة او خارجها. والمنطق البسيط يقود إلى حساب بديل. ما دام المطلب الإصلاحي، حتى لو جاء من عاملين في مؤسسات الدولة، يؤدي إلى مواجهة مع المستبد الفاسد وعائلته، ما هي الفائدة من بقاء الشراكة معهم في نظام سياسي؟ ما هي قيمة النظام السياسي إذا كان بعض الدولة يبطش ببعضها؟ هذا نظام وصل موته التاريخي إلى مرحلة التحلل، ولا بد من التخلص منه لإنقاذ الدولة وتمكينها من استعادة عافيتها.
كما أنه إذا كان المطلب الإصلاحي مكلفاً، فلنذهب وندفع الكلفة من أجل تحقيق استعادة الدولة ممن اختطفها، وإنقاذها من الموت والتحلل، بسبب موت جزء منها. فتخليص الدولة من جزئها العفن ضروري لإنقاذها.
احتكار المستبد الفاسد وعائلته للسلطة والموارد، كرد على المطالب الإصلاحية، ليس كما قال ولي عهده بأن الربيع الأردني انتهى، بل هي بداية مرحلة جديدة. فإذا عجز الشعب الأردني أن يسترد دولته من خلال المطالب الإصلاحية، التي تبقي على الشراكة مع عائلة مرت بتاريخه، فمن الضروري انهاء هذه الشراكة واسترداد الدولة سلطة وموارد بالطريق الثوري.
الشعب الأردني الدي استطاع أن يخلص دولته من أنياب ومخالب الاستعمارين البريطاني والفرنسي والمشروع الصهيوني المتحالف معهما، قادر على استرداد دولته من مستبد فاسد تافه عميل، حتى لو كان متحالفاً مع اليمين الإسرائيلي. وهذه ضرورة لحماية ميراث الأجداد الذين أنشأوا الدولة في ظروف غاية في الصعوبة، وأيضاً للحفاظ على مستقبل الأجيال القادمة، بإنقاذ الدولة عبر التخلص من الجزء الميت فيها. عملية صعبة، ولكنها ضرورية للحفاظ على حقوق شعبنا وصيانة مستقبله. وللحديث بقية…
2025-08-31
