كيف تتبدى مأساة العقل السياسي العربي المستقيل؟ (2/3) د. طراد حمادة
قلنا أن كل ما هو واقعي هو عقلاني. وأن هذه المعادلة المعرفية تصدق على الوقائع والأحداث، وتطابقها مع حركة العقل المعرفي وحركة الساحة التاريخية وفيها تكون السنن التاريخية، مجموع الوقائع الحاصلة في المكان، والمتحركة في الزمان، وتعبر النظرة العقلية فيها عن إدراكها لزمن تاريخها لا تنفصل عنه ولا تتخلف عن إدراك حركته، وسيرورة هذه الحركة، بطريقة تربط، بشكل خلاق، بين الماضي ودروسه وعبره، والحاضر ومشاكله وقضاياه، وبين المستقبل وتبصره ورؤاه وفي كل هذه السلسلة بين أحداث الزمان وحركة التاريخ، يكون العقل الحاكم على الصدق والكذب، على الحقيقة والوهم، وإذا فقد العقل هذه الوظيفة واستقال، تنفك الحوادث عن إدراك أسبابها وتغدو عشوائية الجريان والأهداف.
يعترض على هذه الحقيقة أصحاب العقل المستقيل. السفسطائية مقابل الفلسفة، منكرين الواقع والعقل، الكوسموس واللوغس، ولذلك يسيرون بلا هداية، ويقعون في الأخطاء القاتلة، ويصنعون المآسي لأنفسهم وللآخرين.
أريد الإشارة إلى مفهوم في علم السياسة صار مثلاً، يقول أن السياسة فن الممكن، وأن عالم الإمكان عالم الخيال، فيما حقيقة القول في جوهره أن الممكن في هذا المحل غير عالم الإمكان، الذي هو محل فعل الخيال، بل هو فعل التمكن وليس الإمكان الذي يعني سياسة العقل السليم للفعل السياسي، والتمكن من إدراك حقائقه المتحصلة للمتمكن في المكان، وعاء الأحداث والأفكار وفي الزمان، حركة الواقع والفكر في الساحة التاريخية.
بناء على ما تقدم، أين يقف النظام الإقليمي العربي الراهن، هل تبين متمكناً في المكان، وهل يتحرك واثقاً من حضوره في حركة الزمان مجرى التاريخ الإنساني..
أحوال النظام الإقليمي العربي الراهن، أنه لا يمسك بواقعه ولا يصنع تاريخه، وهو بإدارة أصحاب العقل المستقيل يصنع مأساته على الدوام، ما الدليل على ما نقول؟
يستفاد الدليل على ما نقول، من الواقع السياسي العربي الراهن، وكذلك من النموذج الذي نسج هذا النظام حكمه على قياسه؟ وإذا كنا نكتفي في النموذج السياسي بالقول أنه نموذج استبدادي لاعقلاني على الدوام والاستبداد على ما نعرف يؤدي إلى خراب الممالك وهلاكها، ويجعل من أتباعه مستبدين صغار، يتهاوى حكمهم أمام أول عاصفة تواجهه وتؤدي إلى اقتلاعه، فيما لاعقلانية النموذج، تجعل من هذا النظام السياسي، تعبيراً عن حركة الانحراف عن السنن التاريخية، مكانه خارج التاريخ، ولا يقيم له صناع هذا التاريخ وزناً.
لقد فشل النظام الإقليمي العربي في إثبات حضوره مدافعاً عن مصالح العرب في مساحة العلاقات الدولية، كان أكثر الأنظمة الإقليمية في الدائرة الإسلامية تهافتاً، وضعفاً، رغم أن عناصر عدة تعطيه إمكانية أن يلعب دور المحور في دائرة النظام الإسلامي لما يملكه من مشروعية قومية ومن مصادر قوى مادية ومعنوية متعددة، لكن إدارة هذه المصادر بأسلوب اللعب واللهو وتبديد القوى جعله لا يقدّر قوته الذاتية بل يبددها لصالح لاعبين محليين، يشترون قواهم المصطنعة لتبديد قوى الأمة مجتمعة.
الدكتور طراد حمادة
لم يستطع النظام الإقليمي العربي الذي تربعت على إدارته بعد معاهدة كمب ديفيد، مجموعة من التحالفات الكيانية، يتصدرها التحالف، بين الاستبداد والمال والعقل المستقيل، بل لعلّ العقل المستقيل كان يسعى لإدارة السياسة على قاعدة تحالف المال النفطي من الربوع، والاستبداد، والانحراف الديني، ومجافاة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وهذا التحالف بين عائدات النفط وأنظمة الاستبداد، أشعل الحروب المفروضة في العالم الإسلامي، من حرب صدّام حسين وحلفائه المفروضة على إيران الإسلامية، إلى الحرب الأفغانية إلى حروب الإرهاب وحروب الغزو المتعدد الأهداف في الإرهاب والتكفير والتهجير، والتجويع، والاستتباع والخداع، والتآمر والتزوير والتحريف والتحوير في العقائد والعبادات والمعاملات والآداب؛ وشراء الضمائر وبيع المصائر، والحرب على الدين والأخلاق والمصالح والقيم الإلهية والوضعية.
أدى هذا الجمع من عناصر السياسات اللاعقلانية إلى فشل النظام الإقليمي العربي من إدارة السياسات العربية، في أحوال السلم والحرب، وكذلك سياسات التقدم والنمو، إلى جانب العدالة والحرية والرفاه والمساهمة في صناعة التاريخ وبناء الحضارة والعمران. لم يستطع النظام الإقليمي العربي من التقدم الصريح ولو قيد أنملة في الميادين التالية:
1- ميدان بناء الدولة الحديثة ما اتفق عليه في الدراسات السياسية الدولية بعنوان الحكم الرشيد.
2- فشل في إقامة نظام يؤمن تداول السلطة والعدالة في توزيع السلطات ومشاركة الناس في إقرارها بواسطة الاختيار الحر، إن الديمقراطية والحرية وتداول السلطة والمشاركة والمساواة والتنمية، والعدالة، مفاهيم وقيم بعيدة عن قاموس أصحاب العقل السياسي المستقيل.
3- فشل النظام الإقليمي العربي في تأمين إدارية ذاتية سليمة له غير تابعة، وتتمتع بالمصداقية والاستقلالية، والشفافية والذكاء في الدفاع عن المصالح والثبات في الدفاع عن القيم ولعل قراءة نقدية لمسار سياسات الجامعة العربية يكشف عن هذا الأمر إضافة إلى السياسات المتبعة في المنظمات الإقليمية الكبرى وكذلك مؤسسات النظام الدولي.
4- انعدمت الحريات في دائرة النظام الإقليمي العربي ما تعلق منها بحرية الرأي والمعتقد والتفكير وكذلك حق المرأة وحقوق العمل ومكافحة عمالة الأطفال وحق الرعاية الصحية والتعليم وسلامة القضاء وانفصال السلطات، يعني انعدام كل بنية قيام دولة تراعي حقوق الإنسان ومصالحه وقيمه.
5- خسرت سياسة النظام الإقليمي العربي إدارة تحرير فلسطين، والحديث في هذا الباب له أبواب لا تحصى… فيما للحديث صلة في كل ما تقدم من أدلة.