مآزق ترامب الاستراتيجية و جدلية الانسحاب من سوريا.
بقلم .. أمجد إسماعيل الآغا
يبدو أن حالة الجدل التي رافقت قرار ترامب بالانسحاب من سوريا أصابت بيادقة في الشرق الأوسط بدوار استراتيجي، حيث أن القرار المفاجئ و البحث عن اسبابه، كان هاجسا لجميع الأطراف الفاعلين في الشأن السوري، لكن في المقابل و مع غياب استراتيجية واضحة المعالم لسياسة ترامب في المنطقة، كان واضحا أن هناك حذر سياسي و عسكري لجهة الدولة السورية و حلفاؤها، و هذا ما ظهر جليا في تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال ” إن قرار الرئيس الأمريكي صائب”، لكن بوتين شكك في الوقت ذاته في القرار، مؤكدا أنه ” لم يرى أي أدلة تشير إلى هذا الانسحاب”، و عطفا على تصريح بوتين، فقد رحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحذر بالقرار الأمريكي، ليعلن أردوغان جراء ذلك ” إرجاء الهجوم على مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية ولكن ليس إلى أجل غير مسمى”، فضلا عن جملة المواقف التي تمحورت بمجملها عن استغراب يشوبه القلق نتيجة قرار ترامب، لكن الإدارة الأمريكية سارعت عبر سياسيها لتبديد الشكوك و خاصة لجهة أدواتهم، في محاولة لرص الصفوف من جديد، و إرسال تطمينات تدل على أن قرار ترامب لم يكن إلا محاولة لإعادة خلط الأوراق من جديد، في انتظار استكمال جزئيات المشهد السوري، و التعاطي مع المستجدات التي فرضتها الدولة السورية و حلفاؤها، على قاعدة الانتصار السوري، مع بحث أمريكي عن فُرص لكسر هذه القاعدة.
بعد قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، و ما تبعه من تداعيات جعلت الجميع يتخبطون في بوتقة البحث عن حلول و بدائل، و ضمن منعطف يُراد منه تبديد أي هواجس قد تصيب الكيان الصهيوني، تتناغم التصريحات الأمريكية الرامية إلى طمأنة حلفاؤهم، و ترافق ذلك مع زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى الكيان الصهيوني، من أجل تبديد قلق تل أبيب، في موازاة زيارة لـ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تشمل ثماني عواصم في الشرق الاوسط، لإجراء محادثات تُركز بشكل خاص على ملفات إقليمية و على رأسها القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، و ضمن هذه المعطيات، هناك احتمالات عديدة لـ قرار ترامب يمكن إيجازها في نقطتين:
الأولى، يبدو أن قرار ترامب كان يُشكل في ماهيته فرصة مواتيه للحليف الأطلسي تركيا، من أجل التمدد و فرض مناطق نفوذ جديدة يتم تقاسمها في وقت لاحق، فضلا عن إمكانية القضاء على الهاجس التركي المتمثل بالكرد، لكن الجيش السوري و بوثبة استراتيجية، تمكن من القضاء على خطة ترامب في مهدها، عبر الدخول إلى مدينة منبج و ما ترتب على هذا المشهد، من بوادر اتفاق يجمع الدولة السورية و الكرد على تسليم كافة مناطق سيطرة الكرد للدولة السورية و جيشها، و بهذا تمكنت الدولة السورية من اقتناص التخبط الأمريكي و التركي و سحب البساط من تحتهم.
الثاني، يبدو أن ترامب قد راهن على خطوته للحصول على مكاسب سياسية، لم تُسعفه الخطط العسكرية بالحصول عليها، صحيح أن ترامب لم يتمكن من حسم الحرب على سوريا لصالح واشنطن و أدواتها، لكن الصحيح أيضا أن المناورات الاستراتيجية التي اعتمدتها الدولة السورية و حلفاؤها، جعلت من موازين القوى تصب في صالحها، و ما التحركات و الحشودات العسكرية السورية في الشرق السوري، إلا تجسيدا واضحا لرؤية فرضتها الدولة السورية، و من منطق القوة السياسية و العسكرية، باتت دمشق ندا لـ واشنطن، ما أجبر ترامب على التأرجح في قراره و إعادة حساباته، لمواجهة أي تصدع قد يُصيب مصالح واشنطن و أدواتها في الشرق الأوسط.
الواضح أن هناك الكثير من التحليلات التي رافقت قرار ترامب، لكن في مقابل ذلك، يبدو ان هناك ملامح ترتيبات و تفاهمات في إطار التبلور فيما يخص الخروج من سوريا، و على الرغم من ضبابية المشهد السياسي و العسكري، لكن المؤكد أن دمشق و حلفاؤها في مرحلة إعادة ترتيب الأوراق من أجل ضمان تحقيق مخرجات سياسية ناجعة للانتصار العسكري، و ذلك لقطع الطرق على كل ما من شأنه الحد و تحجيم مفاعيل الانتصار السوري، فـ زمن التحولات النوعية التي راهنت عليها واشنطن قد باتت من الزمن الماضي، و اليوم باتت هذه التحولات حِكرا على دمشق، بدليل أن الإنجازات الأخيرة للجيش السوري تؤكد أن توقيت دمشق لا يمكن إعادته إلى الوراء، أياً كانت الخطط الأمريكية
2019-01-16