لم تنضج ظروف التفاوض بعد!
سعادة مصطفى أرشيد*
كان إعلان دونالد ترامب بضرب محطات الطاقة في إيران على قدر كبير من الجدية، وقابَله في ذلك تهديد إيران بأنّ ذلك لو حصل فلن تغرق إيران وحدها في الظلام، وإنما ستشاركها العتمة دول كثيرة وخاصة في الخليج؛ الأمر الذي كثف من جهود قطر والسعودية ومصر وتركيا وسلطنة عُمان، تلك الجهود التي قادها الباكستاني للوصول إلى “اتفاق الأسبوعين” وجولة المفاوضات الأولى يوم الجمعة الماضي في العاصمة الباكستانية.
ولكن جولة المفاوضات هذه سرعان ما وصلت إلى نهايتها المنتظرة بالفشل، وذلك لسبب رئيس وهو أنّ نتائج جولات القتال الطويلة السابقة لجولة التفاوض لم تنضج الظروف المناسبة والكافية للجلوس إلى مائدة التفاوض، مع أنّ كل طرف من طرفي المعادلة كان قد استطاع إحراز مجموعة من النقاط ولكن غير الحاسمة؛ فالولايات المتحدة التي تملك القوة التدميريّة الهائلة استطاعت توجيه الضربة الصاعقة الأولى باغتيال القيادة الإيرانية وبضرب ما يزيد على 18 ألف هدف في إيران، ولكن إيران قابلت ذلك بقدرتها على تحمّل هذه الضربات، وفي السيطرة على مضيق هرمز ونقل الأزمة من محورها الإقليمي لتصبح أزمة عالمية، وعلى أن تصل صواريخها ومُسيّراتها إلى كل مكان في فلسطين المحتلة أو حيث تريد طهران، ثم على إشاعة حالة الفزع الشديد على الجانب الآخر من الخليج.
ظنّ الأميركي أنه يستطيع فرض شروطه القديمة على إيران بما حققته قوته التدميرية، وربما بما استقرّ في خيال دونالد ترامب من انتصارات، ولكن إيران رأت أنها قد أصبحت تملك من الأوراق ما يؤهّلها لرفض هذه الشروط لا بل وفرض بعض شروطها، وهكذا أصبحت الفجوة بين هذا وذاك بعيدة.
هكذا تبدو الأمور، فالحرب لا تزال قائمة وهي لا شك تحتاج إلى جولات قتال جديدة، وكان بعض من السياسيين والاستراتيجيين في الولايات المتحدة قد حذروا الرئيس ترامب مبكراً من أنّ فشل الضربة الصاعقة وعدم حسم الحرب لمصلحة الولايات المتحدة خلال الأسبوع الأول يعني الدخول في مستنقع الخروج منه مكلف؛ فحرب الاستنزاف الطويلة ستكون في مصلحة إيران، ولذلك كان اقتراحهم بأن يعلن النصر من جانب واحد، وأن يقول إن الحرب قد حققت أهدافها، وإنه قد دمّر المشروع النووي والصاروخي واستطاع تغيير النظام، وبالتالي ينسحب من الحرب بشيء من ماء الوجه، وإنْ كان ذلك يعطي الفرصة لطهران بادّعاء نصرها القائم على أنّ الولايات المتحدة فشلت في تغيير النظام وفي القضاء على المشاريع الصاروخية والنووية وعلى منع إيران من التواصل مع حلفائها في الإقليم.
لكن إيران لا تبدو أنها ستقبل بإعادة واشنطن الأمور إلى نقطة الصفر، وإنما تريد أن تعيدها لما هو دون ذلك من خلال فرضها السيطرة الكاملة على مضيق هرمز واعتباره مضيقاً إيرانياً لها حق السيادة عليه، وهو المضيق الذي لطالما كان مفتوحاً خلال آلاف السنوات من التاريخ الواضح والجلي، وهذا برأي إيران كافٍ وقد جاء الوقت للاستغلال والاستفادة من هذه الثروة الضائعة، وبهذا تكون إيران – كما سبق القول – قد حوّلت الأزمة من مجالها الإقليمي لتصبح أزمة عالمية تطيح باقتصاديات دول صناعية وتقود نحو موجات من التضخم والغلاء وارتفاع تكلفة الإنتاج المرتبط بالطاقة.
مع فشل ترامب في الانتصار بالقتال، كما في التفاوض، لا يجد أمامه إلا أن يعلن إغلاق المجال البحري أمام إيران، وهو يظن أنه بهذه الخطوة يستطيع أن يحقق هدفين:
ـ الهدف الأول: تحسين موقع واشنطن التفاوضي وجعل إيران تعود إلى إسلام آباد وهي في وضع أضعف.
ـ الهدف الثاني: هو تحويل المضيق من ورقة بيد إيران إلى ورقة ضاغطة عليها، واعتبار أن هدف الحرب الجديد هو فتح مضيق هرمز، لا كما كان في السابق تغيير النظام وتفكيك المشاريع النووية والصاروخية وكلّ ما سبق وأعلنه دونالد ترامب من أهداف.
إيران تتجهّز لما هو قادم وستكون منازلة لا هوادة فيها، والمنطقة تزدحم بالمفاجآت مما يجعل من التنبّؤ بنتائجها مسألة معرّضة للخطأ والصواب. أما لبنان فإنّ مقاومته قد أصبحت تقاتل سياسياً بالداخل مع ما تتحمّله من قتال الخارج، وسيتقرّر وضعها بعد المنازلة الكبرى، وإن فلسطين واليمن والعراق أيضاً سيكونون في قلب الحدث؛ فالترابط بين إيران وبينهم عالي المستوى في أثقال الحمل ونتائجه.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-04-17