لأنه يرهِب أعداءه!!!*
محمد العملة
يروى في الأثر عن الأصمعي أنه قال: مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه فقرأ: والشمس وضحاها؛ والقمر إذا تلاها؛ كلمة بلغت منتهاها، لن يدخل النار ولن يراها، رجل نهى النفس عن هواها! فقلت له: ليس هذا من كتاب الله. قال: فعلمني. فعلمته الفاتحة والإخلاص، ثم مررت بعد أيام فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها، فقلت له: ما للسورة الأخرى؟ قال: وهبتها لابن عم لي والكريم لا يرجع في هبته!

الحكاية السابقة تُضرب كمثالٍ على الحمق الذي لا أراه فيها، فالأعرابي في الحكاية فصيح ذو ذهن مجبول على كرم عفوي عربي حقيقي. وعلى العكس من مثال الحكاية، يظهر الحمق الذي يتعامل آل سعود به؛ إذ بدأوا مؤخرا بحملة شعواء سياسياً وإعلامياً على حزب الله متعللين بالعروبة التي لا يتقنون التحدث بلغتها ولا العمل بمقتضاها.
منعت السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي رعاياها من السفر إلى لبنان، ودعت المقيمين هناك إلى مغادرته، كما أعلنت إيقاف ما تسميه “هباتها” للجيش اللبناني.
هِباتٌ بمقابل سياسي
في كتابه “ما بعد الشيوخ، الانهيار الوشيك لممالك النفط”، يذكر كريستوفر ديفيدسون أن “الهبات والمعونات” تشكّل ركناً أساسياً في السياسة الخارجية لهذه الدول، ففي الأعوام الثلاثين الأخيرة شكلت الهبات ما نسبته 4.5% من الناتج الإجمالي في السعودية وبنسبة أقل في بقية الممالك النفطية.
لنأخذ الأمر بشيء من التفصيل؛ بعد حرب تموز المجيدة 2006 اجتمع “المانحون” من ثلاث وثلاثين دولة لمشروع إعادة الإعمار في لبنان الذي تضررت بنيته التحتية خلال الحرب، يضاف إليها ديونه الخارجية المرتفعة لصندوق النقد الدولي. كانت “معونات” السعودية ومعها ممالك النفط الأخرى جزءاً من حزمة إعادة الإعمار التي كان على لبنان أن يقبل بشروط مانحيها التي تضمنت زيادة الضريبة العامة، رفع أسعار المحروقات والسلع الأساسية، خصخصة قطاعات الماء والكهرباء والاتصالات، والأهم أن إعادة الإعمار ستمنح عقودها لعمالقة الرأسمال ومعظمهم يمثلون ذراع السعودية في لبنان.. أتحدث عن قوى 14 آذار.
زودت الإمارات لبنان بمبلغ 350 مليون دولار كمنحة، أما السعودية فدفعت هبات تقارب الثلاثة مليارات دولار للبنك المركزي اللبناني، ومثلهما فعلت قطر في أموالها المدفوعة لإعادة إعمار “بنت جبيل”.
تحدثت ناومي كلاين عن ذلك في كتابها “عقيدة الصدمة، صعود رأسمالية الكوارث”، حيث تم تمرير الخطة النيو-ليبرالية تحت رئاسة حكومة فؤاد السنيورة المؤتمِر بأمر السعودية والغرب بطبيعة الحال، لكن معظم اللبنانيين لم يعجبهم هذا التآمر عليهم، فشاركوا في إضراب دعت له قوى وازنة على رأسها حزب الله رفضاً لأموال إعادة الإعمار إذا كانت على حساب ارتفاع كلفة المعيشة ونهب البلد. استمر الإضراب وسط بيروت مدة تقارب السنة وشهرين وانتهى مع توقيع اتفاق الدوحة. ومن ثم لحقه لسنوات إضراب المعلمين الذي قادته هيئة التنسيق بقيادة الشيوعي والنقابي العريق حنا غريب، وعندها وقفت قوى 14 آذار ضده كذلك، مما يعني أنها تعرقل مشاريع التحرر في لبنان على جبهتين، الطبقي الاقتصادي الداخلي، ومشروع المقاومة ضد الكيان الصهيوني.
أعادت القوى المرتبطة بالسعودية بناء وسط بيروت المعروف بـ “سوليدير” مستبدلة المرافئ القديمة بأرصفة بحرية وشقق فخمة، والأسواق الشعبية بمولات ضخمة، وتمت السيطرة على كل ذلك باستخدام قوى أمن خاصة مملوكة لشركة سوليدير نفسها. بعبارة أخرى، لم تكن إعادة الإعمار سوى عملية خصخصة لبناء منطقة “سياحية” خضراء محاطة بمناطق حمراء تفتقر للخدمات الأساسية، والفواتير التي دفع ثمنها اللبنانيون خلال الحرب استفادت منها طغمة قذرة فقط.
على الجهة المقابلة تماماً، لم يسمح حزب الله بوصول مساعداته إلى الحكومة الفاسدة أو المنظمات غير الحكومية، بل وزعها مباشرة على الناس على شكل بدل إيجار منازل لمدة عام لمن تدمرت منازلهم خلال الحرب، وتأثيث وإصلاح وإعادة بناء منازل لم تُهدم، وإعادة تهيئة الطرق وإصلاح ما يمكن إصلاحه من البنية التحتية بواسطة فريق ضم أكثر من 15000 مهندساً وعاملاً. وقتها صرح السيد حسن نصر الله بعد الحرب مباشرة أن “بيوت أبناء الطائفة السنية الكريمة ستبنى قبل بيوت الشيعة”، هل هنالك أكثر من تلك الرسائل لبعث الاطمئنان كنداء حضاري لحياة شعوب الشرق المتنوعة بطبيعتها التاريخية؟
أموال الهبات هذه استثمرت في الضغط لمحاولة نزع سلاح المقاومة واللعب في السياسة الداخلية للبنان، وتحديداً لوضع رقابة على شبكة السلكي الخاصة بحزب الله بما يمثله ذلك من تهديد أمني خطير للمقاومة ونظام معلوماتها، ومؤخراً ضغطت باتجاه إعلان حزب الله كمنظمة إرهابية عبر قرار مجلس وزراء الداخلية العرب في دورته الثالثة والثلاثين قبل بضعة أسابيع، ولم يشذ عن هذا القرار سوى تحفظ لبنان والعراق وامتناع الجزائر، ولاحقاً الرفض التونسي ممثلاً بإيضاح وزارة الخارجية التونسية، والأهم هو الرفض الشعبي لقرار أحمق كهذا ما خلا جمهور الناطق باسم الصهاينة فيصل القاسم ومن هم على شاكلته.
ليست الضغوط جديدة إذن، فحزب الله يواجه ذلك بشكل صريح منذ عشر أعوام وأكثر قبل حرب تموز المجيدة وخلالها، والهبات التي أعلنت السعودية إيقافها ليست سوى حجة باهتة لا تعبر إلا عن فشل أجنداتها السياسية وعدم رضاها عن حلفائها في الداخل اللبناني.
انعكاسات داخلية
تطرق الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله لهذه النقطة في خطابه قبل الأخير بتاريخ الأول من آذار، وكشف خلالها أن الهِبة السعودية متوقفة أصلاً منذ وفاة عبدالله بن عبد العزيز وعزل رئيس الديوان الملكي “التويجري”.
السعودية تريد من الجميع مهاجمة المقاومة بكل الوسائل القذرة، وحلفاء آل سعود وزعوا بيانات مجهولة يقولون فيها أن حزب الله ينوي تأجيج الوضع عبر تأجيل موعد الانتخابات البلدية والسيطرة على الحكومة والقيام بـ 7 أيار جديدة.
سماحته رد على إشاعات الخصوم بقوله أنّ من يطمح لقلب الطاولة فليتفضل، ومن يُرِد الاستقالة من الحكومة و”تربيح الجمايل” فليفعل ما بدا له، ومن لديه مشكلة مع المقاومة بشأن الأزمة في سوريا فليذهب إلى هناك من أجل القتال الذي تريد كل من السعودية وتركيا استمراره لمنع أي حل سياسي. الرسالة الرئيسية تتعلق بتحييد لبنان عن ذلك كله، وهي النقطة الأساسية التي افتتح بها خطابه متحدثاً فيها عن المناخ السياسي-الأمني.
نقاط الخطاب مترابطة، والنقطة الثانية على صلة بسابقتها؛ رسائل الهزل التي بثتها وسائل إعلام آل سعود دليل عجزٍ وقلة حيلة الهدف منها استغلال ردة الفعل العفوية الصادقة لجمهور المقاومة لتأجيج فتنة سنية-شيعية ليس في لبنان فحسب، بل في كل مكان.
سماحته حذّر من مغبّة الانجرار إلى اجتهادات لا تحمد عقباها دون إذن من الحزب، كما طلب من المسؤولين في الحزب أن ينشروا رسالته بين الناس لأن الوضع الأمني حساس، مشيراً إلى أنّ حزب الله “ليس محشوراً في الزاوية والسما مطربقة على راسو”!
لا يخرج لحرب لبنان إلاّ غبي
العبارة الأخيرة تلخّص كيفية تعاطي الحزب مع حملة آل سعود، ومن ضمنها حشو الكلام الذي يسمونه “خطاباً” لسعد الحريري والذي لن أفنّده منعاً لإضاعة الوقت.
ما تقوم به السعودية في المنطقة الشرقية والبحرين والعراق وسوريا ولبنان من تمويل وإرسال التكفيريين بمتفجراتهم أمر، وحربهم المباشرة على اليمن العربي أمرٌ آخر.
السعودية لا تريد لأحد أن يقف بمكان المعارض لحربها الإجرامية في اليمن، وهو الموقف الذي عبّر سماحته عن اعتزازه به جاعلاً إياه الأهم في تاريخه وتاريخ الحزب.
الموقف يعبّر عن رسالة تحدٍّ حقيقية، أعلن فيها سيد الوعد الصادق تحمله للمسؤولية كاملة بعيداً عن تشريق وتغريب آل سعود، وبعيداً عن حديثهم عن العروبة والانتماء العروبي وحججهم الواهية المتعلقة بمعاقبة لبنان بدعوى أنه لم يأخذ موقفاً واضحاً من مهاجمة القنصلية السعودية في طهران بعد إعدام الشيخ النّمر، أو ما خرج به أحد “جهابذتهم” بأن تدمير داعش يستوجب تدمير حزب الله بحسب ما قاله سماحته في خطابه الأخير المكمّل لسابِقه.
القول بأن حزب الله منظمة إرهابية لاقى ترحيباً صهيونياً أمريكياً، وهو ترحيب قابله ذعر شديد بعد المقابلة المطولة التي أجراها سماحته على الميادين. السيد حسن استفتح كلامه برسالة تحذير إلى الصهاينة في الأرض المحتلة أجمِلُها بالنقاط التالية:
أولاً؛ الحرب على لبنان كلفتها عالية جداً، والمقاومة ستقاتل بدون خطوط حمراء؛ إذ لديها لائحة بكل المواقع الحساسة والمراكز النووية، وهي قادرة على ضرب أي هدف في داخل حدود فلسطين المحتلة.
ثانياً؛ المقارنة بين القيادة الصهيونية في حرب تموز مع نظيرتها اليوم، واصفاً القيادة الحالية بالحكمة لأنها لم تخرج إلى الحرب حتى الآن بقوله: “لا يخرج لحرب لبنان إلا غبي”.
ثالثاً؛ السخرية من جامعة الدول العربية ومن بعض القوى الداخلية بما يخص الانتهاكات اليومية الصهيونية لسماء لبنان، فكل الجهود تضافرت لإعلان الحزب كمنظمة إرهابية، بينما لا تحرك ساكناً عندما يتعلق الأمر بانتهاك سيادة دولة عربية، لكن المقاومة قادرة على اتخاذ إجراء وحل ما لم تعمل الدولة على تحمل المسؤولية بهذا الخصوص.
عودٌ على بدء
سماحته أعاد في مقابلته التأكيد على ما قاله عن آل سعود في خطابه الذي أجملنا نقاطه الثلاث، مضيفاً أن السعودية منذ 2005 وهي تريد تسليم الحكم لفريق محدد في لبنان وتطمح لإنهاء المقاومة، فهي لم ترغب بإيقاف حرب تموز بل وقامت بالتنسيق مع الصهاينة، والحزب لديه معطيات تؤكد هذا الكلام وسيجري كشفها لاحقاً منعاً للتسبب بمشاكل داخلية.
آل سعود يمتلكون سطوة المال والإعلام والفتوى والتكفيريين، وبعد فشلهم في كل مشاريعهم، ها هم يحاولون عرقلة الحل السياسي في سوريا ومعهم تركيا، ويعولون على قدوم إدارة جديدة في أمريكا لإعادة الحل العسكري إلى الواجهة.
في المقابل، حزب الله يقاتل في سوريا بالتنسيق مع القيادة السورية، وفي العراق تحت قيادة الحشد الشعبي العراقية، وفي كل حروبه مع الصهاينة يقاتل دون إذنٍ من حليف أو عدو، ومشروع آل سعود مرتبط بالوعي السطحي الذي يضع حزب الله في نفس الخانة التي توضع فيها التنظيمات المسلحة التكفيرية التي تقتل ولا تقاتل في سوريا والعراق. آل سعود في أزمة كبيرة دفعتهم إلى حرب إعلامية ورطتهم أكثر، وحولتهم إلى سخرية أكبر، فالعجز عن الزج بجند الشام وجيش الإسلام إلى طاولة المفاوضات أثار جنونهم، دون إغفال فواتير حروبهم الفاشلة وعجزهم الاقتصادي بعد تهاوي أسعار النفط.
الرد على آل سعود وأحلافهم كان قبل ثلاث سنوات، عندما وضعت أمريكا الحزب على قائمة المنظمات الإرهابية، ووقتها قال سيد المقاومة بلهجته الجنوبية المحببة: “قائمة الإرهاب تبعكُن، بلّوها واشربوا ميّتها”.
هل حزب الله إرهابي؟ نعم، لأنه يُرهِب أعداءَه!
عن راديكال