الشجارات الجانبية لن تحل مأزق السعودية!
اضحوي جفال محمد*
أساس القضية ان الحوثيين فرضوا على السعودية معادلة صعبة لا قِبل لها بمعالجتها: أن ترفع حصارها المفروض على مطارات وموانىء اليمن او أن يحاصر اليمنيون مطاراتها وموانئها أسوة بمنافذهم المعطلة منذ أحد عشر عاماً. هذه المعادلة موضوعة الان قيد العمل، ولقد حاول السعوديون اختبار جديتها وحصلوا على رد مزلزل ما تزال حرائقه مستعرة في جازان وبقيق وينبع.
الصعوبة السياسية في المسألة أن الحوثيين طرحوها بشكل منفصل عن تداعيات الصراع في الخليج. قالوا ببساطة: ان السعودية تحاصرنا ونريد كسر حصارها. واستقدموا طائرة إيرانية مدنية فضربت السعودية مدرج مطار صنعاء لمنعها من الهبوط غير أنها هبطت في الحديدة.
القبول السعودي بانفصال مشكلتهم مع اليمن عن الحرب الكبرى في المنطقة يعني أن لا يسأل عنهم احد، فشعورهم الرسمي لا يختلف عن شعور مريض نسيهُ الاقارب ويحاول استدرار عواطفهم بالأنين. لذلك قالت السعودية ان المسيّرات اتتها من العراق للتأكيد بأن قضيتها جزء من القضية الأكبر.
ربما جاءتها المسيّرات بالفعل من العراق، وربما لم تأتها من العراق، فهذا أمرٌ نجهله، وحتى لو بات معلوماً فإنه بلا قيمة. فتحديد الجهة القاصفة او التي جاء من أجوائها القصف قرارٌ سياسي لا فني. يتطابق مع الحقيقة او يخالفها حسب مقتضيات السياسة. وحتى لو تأكدت الجهة فإنها لا تحدد بالضرورة هوية الفاعل. ولقد قُصفت عُمان من داخل الإمارات اكثر من مرة، وقُصفت تركيا من داخل ايران ونفت ايران ضلوعها في ذلك.
قصف الفصائل العراقية اليوم قامت به امريكا لحساب السعودية المحتاجة لشيء تجيب به تساؤلات الشعب المستغني عن الكهرباء بأضواء الحرائق في شرق البلاد وغربها. ذلك أن القول: قصفنا اليمن لا يشفي غليلاً ولا ينفّس كرباََ. وماذا في اليمن لكي يُقصف بعد عشرات آلاف الغارات في عاصفة الحزم التي أكملها الأمريكان والإسرائيليون بعد الطوفان!. ليس هناك سوى ميناء الحديدة ومدرج مطار صنعاء اللذان ضُربا مئة مرة ومرة وسيضربان لاحقاََ دون ان يكون لضربهما ادنى أثر في الصراع.
من هنا جاءت الضربات على العراق لتمنح الوضع المأزوم طعماََ جديداً، إلا أن الطعم يزول بمدى أكلة واحدة او أكلتين، وتبقى القضية الأساسية قائمة ومتحدّية وتريد من حكومة السعودية حلاً.
ان المستهدف الحقيقي بهذه الضربات ليس السعودية وليس الحشد. فإذا كان الحشد أطلق المقذوفات لا يكون قد اضاف الكثير لمقذوفات الحوثيين الذين تبنوا العمل رسمياً. واذا كانت السعودية قد قصفت الحشد فإنه معتاد على تقديم التضحيات ولن تؤثر خسارته بعض المقاتلين على قدرته العسكرية. المستهدف الحقيق هو رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وقد استُهدف من الطرفين معاً، وكما يلي:
إذا كانت المسيّرات التي ضربت السعودية عراقية فتفسير ذلك ان الفصائل قلقة من نتائج زيارته لأمريكا وما تمخضت عنه من تحديد مواقيت لنزع سلاحها، فقررت تعريته أمام ترامب وإظهاره بمظهر العاجز عن الوفاء بتعهداته. وعلى هذا الاساس كان الطبيعي ان تنتظر الولايات المتحدة تلك التوقيتات ولا تبادر بإحراجه قبل ان يجف حبر توقيعه في واشنطن، فلماذا يا ترى لم تنتظر؟. الجواب برأيي واضح تماماً وهو أن ترامب لا يريد لهذا الحاكم الجديد أن يسيء فهم الحفاوة والاحترام الذي لقيه في البيت الأبيض. فربما توهم أنه بات صديقاً لترامب وبلده صديقاً لأمريكا، ومثل هذه الأوهام خطأ شنيع في الزمن العربي الوضيع والزمن الأمريكي الترامبي. ترامب يريد القول للزيدي انك لا تختلف عن الحكام العرب الذين نهينهم كل يوم، وبلدك لا يختلف عن المحميات العربية الأخرى.
الزيدي وصل إلى الحكم وحقل السياسة قبل اسابيع فقط ولا بد أنه رأى حكاماً خليجيين متضلعين في الحكم دهوراً يعلنون أنهم غير مشاركين في الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران فيخرج ترامب بعد ساعة ويكذّبهم ويثني على مشاركتهم في الحرب. ولا بد أن الزيدي رأى حاكماً سوريّاً صعد إلى سدة الحكم قبله بعام واحد، فاحتضنه ترامب وأسبغ عليه مدائح غرر حتى إذا تباهى إعلامه وجمهوره بتلك المنزلة أبلغته المخابرات الأمريكية بالخروج ركضاً من قصر الشعب كي تقصف إسرائيل المبنى الملاصق. فإذا كان الزيدي لم يفهم الأمور جيداً وجب على الأمريكان إفهامه عملياً. ولتأكيد ذلك أعلن ترامب قبل قليل ان ضرباته على العراق تمت بالتنسيق مع الحكومة العراقية!!. هل يتجرأ الزيدي على نفي هذا الادعاء؟ لا ادري!.
لا اعتقد ان القصف تم بالتوافق مع الزيدي لأنه لا يستطيع التوافق على أمر كهذا، لكن ترامب أطلق هذه القنبلة وحشر الزيدي في زاوية لا يُحسد عليها. وفي كل الاحوال لن تترك هذه الفرقعات أثراً يذكر على المشهد العام الذي مسرحه الخليج.
( اضحوي _ 2418 )
2026-07-30