كيف ينهار النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة؟
كتب الصحفي تاوت باتاو في صحيفة التوقعات الشرقية الجديدة مقالا جاء فيه : تم وضع أساس النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، واصلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي القتال حول انتشار وتأثير أيديولوجياتهما حتى التسعينيات، وأثبت انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة هيمنتها على العالم، واعتقد العديد من الفلاسفة الغربيين في ذلك الوقت أن النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة موجود ليبقى، كما أيد الفيلسوف السياسي الأمريكي الشهير فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» هذه الفكرة، ومع ذلك، كشف مطلع القرن الحادي والعشرين العديد من العيوب في النظام العالمي الليبرالي، وعلى مدى العقدين الماضيين، شهد العالم العديد من الحروب والفوضى والاضطرابات في كل منطقة تقريبا، وفي قلب معظم هذه الحروب والصراعات، هناك عامل مشترك واحد: الولايات المتحدة شنت الحروب وأثارت الفوضى وأطاحت بحكومات في كثير من الدول بحجة الديمقراطية.
إن معظم المؤسسات المالية في العالم، بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وما إلى ذلك، تخضع لسيطرة الولايات المتحدة، وتم إنشاء هذه المؤسسات لتقديم المساعدة المالية للدول المتخلفة والنامية، ومع ذلك، ظلت الولايات المتحدة تستخدم هذه المؤسسات منذ فترة طويلة لوضع الجنوب العالمي تحت الضغط لتنفيذ سياسات مؤيدة للولايات المتحدة، وقد أدى ذلك إلى زيادة الشعور بالخضوع لهيمنة الولايات المتحدة، وخاصة بين الدول الفقيرة في العالم، ويُزعم أن الولايات المتحدة تتولى أيضًا زمام مجموعة العمل المالي (FATF) على الرغم من أن الأساس المنطقي وراء إنشاء هذه المؤسسة هو الحد من تمويل الإرهاب وغسل الأموال، إلا أن هذه المؤسسة أيضاً تحولت إلى مجرد أداة بيد الولايات المتحدة للضغط على الدول التي لا تلتزم بسياسات الأخيرة، وقد أثارت الصين وباكستان والعديد من الدول الأخرى مخاوف بشأن تسييس هذه المؤسسة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، حتى أن بعض حلفاء الولايات المتحدة اعترفوا باستخدام هذا المنتدى للضغط السياسي على أعدائهم في الماضي.
وتعتبر الأمم المتحدة الجهاز الأساسي للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، في البداية، تم إنشاء هذه المؤسسة لتوفير التمثيل لجميع الدول الأعضاء في العالم وحل نزاعاتها سلميا، ومع ذلك، فإن الهيكل الأساسي للمؤسسة كان معيبًا منذ إنشائها، حيث أنها منحت صلاحيات واسعة لخمس دول كبرى، وقد أدى هذا إلى غرس شعور بالحرمان بين الدول الأعضاء الأخرى، ولذلك استخدمت الولايات المتحدة هذه القوة لمصلحتها الخاصة عدة مرات عبر التاريخ، ومؤخرا، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار للأمم المتحدة يدعو إلى وقف سلمي لإطلاق النار في غزة، وقد أثار هذا المزيد من المشاعر العدائية بين دول العالم الثالث ضد النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة، علاوة على ذلك، فإن عدم القدرة على تنفيذ قرار الأمم المتحدة أدى أيضاً إلى فشل هذا النظام، وفي مناسبات عديدة، تجاهلت الولايات المتحدة ورفضت الأمم المتحدة وأصبحت مصدر الفوضى والاضطرابات في بلدان مختلفة حول العالم – إن القرار الأحادي الذي اتخذته الولايات المتحدة بمهاجمة العراق يشكل أحد الأسباب الرئيسية لفشل هذا النظام العالمي.
وكشفت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس عن أوجه القصور التي يعاني منها هذا النظام العالمي، وكذلك فشلت الأمم المتحدة في حماية أرواح المدنيين الأبرياء، بما في ذلك الأطفال والنساء، ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، وقد وفرت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون الحماية لإسرائيل في عمليات التطهير العرقي التي قامت بها في غزة، وسجلت جنوب أفريقيا قضية ضد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة في محكمة العدل الدولية في 29 ديسمبر / كانون الأول 2023، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار، ومع ذلك، انتهى الأمر بمحكمة العدل الدولية إلى اتخاذ قرار ضعيف بعد الاستماع إلى كلا الجانبين، وأعلنت أن أعمال إسرائيل إبادة جماعية، لكنها لم تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، وقد ثبت أن هذا يضر بالصورة الممزقة بالفعل للمؤسسات الليبرالية، واعتبر الشعب المؤيد للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم هذا القرار بمثابة محاولة من قبل محكمة العدل الدولية لاسترضاء الجانبين.
ولملء كل هذا الفراغ الناجم عن النظام العالمي الليبرالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، برزت روسيا والصين كأمل جديد للجنوب العالمي، اذ تقود الصين وروسيا نظامًا عالميًا شاملاً من خلال مجموعة البريكس، وأتاح توسع البريكس للدول الفرصة لإبداء رأيها في الشؤون العالمية، صرح بذلك الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة البريكس 2023 أنه يجب أن تتمتع جميع الدول بفرصة متساوية للتفوق في التحديث العالمي، وأبدت أكثر من 40 دولة اهتمامها بالانضمام إلى البريكس مؤخرًا، وهذا يدل على تراجع ثقة العالم في النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولكي تظل مؤسسات النظام الليبرالي الدولي ذات صلة وتحافظ على سلامتها، يتعين عليها أن تعطي مساحة أكبر للجنوب العالمي، وإلا فمن المحتم أن يحل محله نظام عالمي جديد وأكثر شمولا بقيادة الاقتصادات الناشئة.
ترجمة خاصة:عرب جورنال
2024-02-09