مَن يَكتُب التاريخ ؟
د.وسام جواد*
قالَ، وكتَبَ، وزعَمَ البعض أن” المُنتصر مَن يَكتب التاريخ ” ولهذا البعض، ما يستند اليه ويعتمد عليه لتبدو المقولة معقولة ومقبولة ( في بريطانيا تُنسب الى وينستن تشرشل، وفي فرنسا لليميني المتطرف، روبار برازياك، وفي المانيا للمفكرالمادي، والتر بنيامين ). وهنا يتبادر الى الذهن سؤال :
ماذا لو حُرِّفَت الحقائق، وشوِهَت الوقائع، واذا انحاز المورخ لمَن إنتصر، وعلى مَدح سيرته إقتصِر، والى تقديم الأدلة إفتقِر، كما حصل بعد العديد من حروب الماضي .؟
للقائد الأممي أرنستو تشي جيفارا، رأي آخر بهذا الصدد. إذ قال” التاريخ، يكتبهُ مَن عشِقَ الوطن، وقاد ثورة الحق، وأحبَّ الفقراء”. وهذا ما يكشف عن أحد أسباب التباين في كتابة المؤرخين للتاريخ . فرأي الطرف الرسمي (الحكومي)، الذي يُجيَّر النصر للفرد أو المجموعة، لا ينسجم مع الرأي الشعبي العام، الذي أكد علية جيفارا، لكونه يعكس انحياز وعدم حيادية المؤرخ، ويبعث على الشك بمصداقيتة. وكمثال على ذلك، ما كان يُكتب ويُنشر في الاتحاد السوفيتي أثناء تكليف بيريا برئاسة جهاز المخابرات السوفيتيةNKVD ) (بعد إعدام سلفه نيكولاي يجوف :
لقد كانت شوارع موسكو وباقي المدن السوفيتية، تعج بالصور الضخمة، وعبارات التأييد والشكر لبيريا. وانشغل الإعلام أنذاك، بنشر المقالات والمقابلات عن دوره في تطوير وتسريع وتيرة الصناعة السوفيتية بعد الحرب، ونجاحه في مراقبة ومتابعة عملية إنتاج وتجربة القنبلة السوفيتية في 29 آب 1949.
وما أن مات ستالين في 5 آذار 1953، حتى بدأ الإستعداد لتنفيذ خطة التخلص من بيريا، التي انتهت باعتقاله واتهامه بالخيانة والتجسس، رغم توفر القناعة المطلقة لدى خصومه (خرتشوف، وجوكوف، ومولوتوف، ومالنكوف وكاغانونوفيج ) بأن بيريا لم يكن “عدو الشعب”، ولم يكن خائنا، أو جاسوسا، وأن التهم التي وجهت إليه كانت باطلة. أما السبب الحقيقي في اعتقاله وإعدامه، فيكمن في الصراع على السلطة، وخوف أعضاء القيادة المذكورين أعلاه، من تسلمه رئاسة الإتحاد السوفيتي بعد وفاة ستالين .
وقد نقرأ أحيانا، ما يكتبه البعض (عمدا،أو جهلا)عن الانتصار في الحرب العالمية الثانية، كما لو كان إنتصارا روسيا، وليس سوفيتيا، وفي هذا غبن وإجحاف بحق مئات الآلوف من أبناء الجمهوريات السوفيتية، الذين قاتلوا في مختلف جبهات القتال الى جانب الروس من أجل تحرير الأرض وتحقيق الإنتصار على النازية والفاشية. ويكفي التذكير بأن الجنود الثلاثة، الذين رفعوا راية النصر فوق سطح الريخشتاغ في 2 آيار1945: أليكسي كوفاليف من كييف، وليونيد جورجيف من مينسك، وعبد الحكيم اسماعيل من داغستان، وأن المئات من أبطال الاتحاد السوفيتي كانوا من مختلف القوميات والجمهوريات السوفيتية.
المبالغة الأمريكية بالنصر
في الأول من أيلول 1939 هاجمت القوات الألمانية واحتلت بولندا، وفي 22 حزيران 1941 هاجم الألمان أراضي الإتحاد السوفيتي، ضاربين بعرض الجدار معاهدة عدم الاعتداء الموقعة في 23 آب 1939 بين وزير الخارجية السوفيتي، مولوتوف ووزير الخارجية الألماني، ريبنتروب، التي نصت على التزام الطرفين بعدم مهاجمة بعضهما وإلزام الطرفين بعدم تقديم الدعم لأي تحالف ضد أي منهما.
وقد أوقع الجيش النازي أثناء تقدمه في عمق الأراضي السوفيتية، خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الجيش الأحمر قبل أن يصل الى أطراف العاصمة موسكو، وبات يُهدد باحتلالها، لولا المقاومة البطولية للسوفيت في صد ورد الهجوم .
وأما الحلفاء، فقد ماطلوا بفتح الجبهة الثانية في أوروبا، رغم طلب ستالين بفتحها في مؤتمري طهران ويالطة، لتخفيف الضغط على القوات السوفيتية. وظل الحلفاء يماطلون بحجة عدم توفر الموارد البحرية والخبرة الكافية للقيام بإنزال عبر القناة الإنجليزية، بينما كانت الأسباب الحقيقية، تشير الى سعيهم تقليل الخسائر، وانتظار ما تؤول اليه المعارك. وعندما أخذت الكفة تميل لصالح الجيش السوفيتي، خصوصا بعد معركة ستالينغراد، واستسلام القائد الألماني المارشال فريدريش باولوس وجنوده ( 91 ألف) للقوات السوفيتية، في 2 شباط 1943. تحرك الحفاء، بتنفيذ عملية إنزال ناجحة في النورماندي بفرنسا (عملية أوفرلورد) في 6 حزيران 1944.
وإذا شكل التباطئ المتعمد بفتح الجبهة الثانية سببا في ترك الجيوش السوفيتية تقاتل لوحدها ضد الجيوش النازية والفاشية في سنوات1941، 1942، 1943 وحتى منتصف 1944، فإن من الإنصاف التذكير بالدور الذي لعبه برنامج Lend-Lease في مساعدة الإتحاد السوفيتي طوال تلك السنوات من الحرب. فقد زود الحلفاء الاتحاد السوفيتي بما قيمته 11.3 مليار دولار، على النحو التالي : 14126 طائرة من الولايات المتحدة، 4174 طائرة من المملكة المتحد، 7056دبابة ومركبة مدرعة، 375,000 شاحنة ومركبة،594 سفينة (بما في ذلك الفرقاطات، وكاسحات الألغام، والغواصات، وزوارق الطوربيد وسفن الإنزال، 1977 قاطرة للسكك الحديد، ومئات آلاف الأطنان من القضبان الحديدية، 11000 عربة، 328 ألف طن من الألمنيوم، والنحاس والزنك والنيكل والقصدير، 318 ألف طن من المتفجرات والبارود، 2.5 مليون طن وقود الطائرات، بالإضافة الى ورش مصانع متكاملة ومولدات كهرباء، ومضخات، وحفارات، وصفائح مدرعة، واطارات سيارات، وجلود أحذية، وأقمشة، خيام، وبطانيات عسكرية و 4.5 مليون طن من اللحوم والزبدة، والسكر، والمنتجات الغذائية المجففة وغيرها.
نعم، وبلا أدنى شك، لعب برنامج Lend Lease دورا مهما في تحقيق النصر، وهو ما أعترف به ستالين أثناء لقائه بتشرشل. ولكن، لابد من الإعتراف أيضا، بأنه لعب دورا مساعدا، وليس رئيسيا بهزيمة أعتى وأقوى جيش في أوروبا.
ومهما حاول البعض، تعظيم، وتضخيم دور الولايات المتحدة في الإنتصار على الفاشية، سيظل المرجع الوحيد، والى الأبد، ما سجله التاريخ عن أن الإنتصار، حققته تضحيات شعوب وقيادات الاتحاد السوفيتي العسكرية وجنودهم، رغم كل سلبيات النظام .
التاريخ لا يكتبهُ الجبناء والعُملاء، بل مَن قاوم المُحتل والدخلاء، وعَشِقَ الوطنَ والفقراء.
موسكو/ 25.06.2026