كيف نجح الغرب في “بلفرة الوعي”!
رنا علوان
مئة وست سنوات على وعد بلفور ، هذا الحدث التاريخي الذي حمل في طياته خطورة بالغة على كافة الأصعدة في منطقتنا العربية ، لازالت دائرة تداعياته تتسع إلى يومنا هذا ،
فلم تقتصر مخاطره على تقسيم الحدود وعملية التجزئة ، بل تعدتها وصولاً للصعيد الفكري والثقافي والسياسي والاقتصادي وتفرّعاتهم …
اما السؤال الجوهري الذي دائمًا ما كان يطرح نفسه لماذا فلسطين كانت هي الهدف الرئيسي ، رغم كلّ المشاريع البديلة التي طرحت سابقًا ، لجعلها «الوطن القومي اليهودي» الممثّل ب«دولة الاحتلال الصهيوني» إسرائيل
لم يكن صدور «وعد بلفور» في 2/11/1917 ، وليد ساعته أبدًا ، ولا عفويًا مُرتجلاً ، بل كان له جذوره العميقة وأهدافه البعيدة على الصعيد الدولي والعربي والإسلامي على حدّ سواء
يذكر لنا التاريخ ، “الوصيّة” التي تمخض على اساسها وعد بلفور ، وهي وصيّة الملك الفرنسي لويس التاسع قائد الحملة الصليبيّة إلى مصر ، التي تركها للغرب بعد ما لاقاه في حروبه [عام 1250] ، وللمفارقة هنا ان الغرب يستمع للنصيحة ويحفظ الوصيّة على عكس ابناء الامة العربية ، حتى اخذت تُدرّس هذه النصيحة منذ حوالي ثمانية قرون ، وهي محفوظة في دار الوثائق القوميّة في باريس ، وعلى اساسها فُتح الباب على مصرعيه أمام عمليّة التبشير والإستشراق
ابرز ما جاء فيها [بعد تأمّل وتفكير عميقين موجهًا كلامه إلى الغربيين ، «إذا أردتم أن تهزموا العرب والمسلمين فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده … فقد هُزمتم أمامهم في معركة السلاح … ولكن حاربوهم في عقيدتهم ووحدتهم … فهي مكمن القوة فيهم»…]
كما أوصى في نهايتها بضرورة «العمل على قيام [دولة غريبة] في المنطقة العربية تمتدّ ما بين غزّة جنوبًا ، وأنطاكيا شمالاً ، ثم تتّجه شرقًا وتمتدّ حتى تصل إلى الغرب»…
وبعدها بدأ الغرب دراسة [أهميّة المنطقة العربيّة في مشروع الشرق الأوسط]
وفي عام 1905 ، دعا رئيس الوزراء البريطاني الى مؤتمر «كامبل بنرمان» كبار المفكّرين والاستراتيجيين الغربيين ، طارحًا عليهم السؤال الوحيد وهو «ما هي الوسائل الكفيلة بتأخير سقوط الإمبراطوريّات الاستعماريّة ، كي لا تنهار مثلما انهارت إمبراطوريّتا الإغريق والرومان؟»
وبعد عامين على هذا المؤتمر صدر التقرير الذي عرف فيما بعد ب«تقرير كامبل بنرمان» عام 1907 حيث جاء فيه : [أنّ من يسيطر على منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط ، يستطيع التحكّم بالعالم ]
حيث في هذه المنطقة يتواجد شعب واحد ، تتوفّر عنده كلّ مقوّمات الأمّة والقوميّة ، وفي أرضه ثروات هائلة تشكّل عصب حياة الغرب والغربيين ، وهي بالنسبة لهذا الشعب بمثابة «روحه» ويجب على الغرب التحكّم بهذه الروح والسيطرة عليها
كما يجب العمل على إبقاء هذا الشعب بحالة من التمزّق والتفرقة والتقسيم والقتال الداخلي … وكانت التوصية الأخيرة في تقرير بنرمان هذا شبيهة تمامًا لوصية الملك لويس التاسع ، حيث تقول [ «يجب العمل بكلّ الإمكانات لخلق حاجز بشري قويّ وغريب ، يفصل الجزء الآسيوي عن الجزء الأفريقي في المنطقة العربية ، عدو لسكان المنطقة ، وحليف للغرب»]
وبعد أربعين عامًا كانت ولادة «إسرائيل» في هذه المنطقة المحدّدة بالضبط… وحقيقة الأمر ، أنّه على أساس ذلك، كانت إتفاقيّة سايكس – بيكو 1916 ، ووعد بلفور 1917 ، ومؤتمر فرساي 1919 ، ومؤتمر سان ريمو في إيطاليا 1920 الذي وزّع الانتدابات على الدول العربيّة ، وكانت فلسطين من حصّة بريطانيا تمهيدًا لقيام «الوطن القومي اليهودي» فيها …وهنا جواب لماذا فلسطين ؟!؟ ذلك لأنها النقطة الأغنى في المنطقة ناهيك عن انها تحمل في رحمها رمز ديني مهم ايضًا
والغرابة ، أنّ قلّة بسيطة في الوطن العربي تعرف بأنّ إتفاقيّة سايكس-بيكو كانت «صهيونيّة مئة بالمئة» ولو ان الواجهة لها كانت بريطانية-فرنسيّة.. وكذلك الحال بالنسبة لوعد بلفور البريطاني عام 1917 ، حيث يجهل الكثيرون من أبناء العرب والمسلمين ، أنّ وعدًا فرنسيًا أُعطي لليهود الصهيونيين في باريس هو «وعد جولز كامبو» قبل وعد بلفور البريطاني وتحديدًا في حزيران 1917 رفعه كامبو إلى سوكولوف بعد اجتماعات عدّة حضرها رئيس الوزراء الفرنسي يومها ريبو … حيث كان كامبو يومها السكرتير العام لوزارة الخارجية الفرنسيّة ، في الوقت الذي كان فيه ناحوم سوكولوف ، ممثل الحركة الصهيونيّة في فرنسا …
وهكذا أثارت المنطقة العربية منذ وقت طويل شهية الدول الاستعمارية الطامعة ببسط السيطرة والنفوذ والتوسع ، كما أسالت ثرواتها وخيراتها لعاب المتنافسين عليها بإعتبارها عصب الحياة وشريان الوجود
وللأسف هكذا حصلت بالعالم العربي أكبر نكبة عرفتها البشرية بسبب ما عرف بوعد بلفور ، وبدل ان تقوم النخب الفكرية والسياسية بالبحث بعمق عن هذا الوعد واسبابه وظروفه ، اذا بهم طيلة مائة عام وما يزيد ، يرددون الرواية الصهيونية كما كتبها الصهاينة لوعد بلفور ، حتى صدقها العرب وضاعت فلسطين ، وتبلفر الوعي
لقد كان لتبلفر الوعي خطط مدروسة لا تقل اهمية عن الوثائق الخطية التي تخللها وعد بلفور ، فلقد ظهر لأول مرة ما يعرف بالنظام السياسي الاجير ، أي انك تزرع شخصًا حيث يصل الى سدة الحكم ، يكون رئيسًا على الشعب وخادم لدى الصهيونية العالمية
ويُذكر في هذا السياق حقيقة محمد على باشا المصري فهو من أصول يونانية ، الذي استحوذ على ثروة كبيرة ، كان يقول انه جمعها عبر التجارة ، مع انه كان من عائلة معدمة تمامًا ، وفي مذكراته التي كُتبت عنه فهو كان اميًا ، انه كان له 17 اخ واخت جميعهم ماتوا الا هو بقي على قيد الحياة ، وان ثروته هي بسبب الخبرة التي اكتسبها من التاجر الفرنسي “المسيو ليون” وكان دائمًا يردد انه لا يثق الا بالفرنسيين وعندما استلم حكم مصر عين الفرنسيين في غالبية المراكز الحساسة
أما أول بيع أراضي تمت لليهود بمبالغ ضخمة للغاية ، هي عن طريق والي سوريا محمد رشيد باشا حيث باع قرية بأكملها ، كما باعت زوجته أيضًا قرية لمندوب عائلة روتشيلد الذي كان يشتري الأراضي مباشرة بأي سعر يُطلب
وللمفارقة ان محمد رشيد باشا هو ابن رشيد باشا مساعد حاكم مصر محمد علي باشا ، وقد تلقى تعاليمه في المدارس الفرنسية
وبالفعل نجحت عائلة روتشيلد بخلق اول مركز دراسات واستشراق من خلال جواسيس بصفة المزارعين الذين كانت غايتهم دراسة طبيعة الشعب الفلسطيني والاحوال السياسية بظل الخلافة العثمانية
اما كيف سيطر اليهود على الإعلام بعد ادراكهم بأهمية تأثيره في غسل الأدمغة وتغير الحقائق ، فالبداية كانت مع فيليب نيولنسكي وهو صحفي وسياسي كان صديقًا للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني بسبب عمله كدبلوماسي نمساوي في اسطنبول ، وقد طلب منه السلطان عبد الحميد الثاني ان يترك العمل الدبلوماسي وان ينشئ «نشرة الشرق» التي كان يُمولها السلطان ، والتي كانت تصدر بفيينا وغايتها المساهمة بتمدد النفوذ العثماني ، ومع الأيام ومع اشتهار نشرة الشرق بدات تلفت انظار اللوبي اليهودي الذي بدا الاستثمار فيها، ومن ثم حولها الى وسيلة إعلامية تمهد للعودة الى ارض الميعاد ، حتى وصلت الأمور الى دفع مبالغ ضخمة الى نيولنسكي على ان يساعدهم باقناع السلطان بمنحهم ارض الميعاد
فقال نيولنسكي جملته الشهيرة وهي مدونة ، لو لم تنهار السلطنة العثمانية ماليًا ما قبلت ولا للحظة ان اسال صديقي السلطان سؤالًا انا اعرف جوابه مسبقًا ، ولكن طالما انكم ستدفعون الأموال لصديقي السلطان لتسديد القروض عليه لاوروبا وبريطانيا ساحاول معكم
قال هرتزل[في البدء أقنعنا نيولنسكي ان يعمل معنا مقابل بدل مادي لكن فيما بعدما أصبح نيولنسكي مخلصًا للحركة الصهيونية ، وهذا الكلام كذب لان كلام هرتزل جاء ردًا على كلام نيولنسكي الذي ذكرته في النص ، ولكن العقل اليهودي لا يترك حتى الثغرات في التاريخ ، فهم لا يريدون ان يقال عنهم انهم اشتروا الناس بأموالهم]
وفي عام 1896 استقبل السلطان عبد الحميد الثاني نيولنسكي ومعه شخص يعرف بهرتزل ، وقد عرف نيولنسكي عن هرتزل بأنه زعيم اليهود بالعالم ، وان مهتمه تقتضي بالحصول على قطعة ارض في فلسطين تكون شبه موطن خاضع للقوانين العثمانية وبالمقابل مستعد السيد هرتزل ان يسدد كل الديون الأوروبية المتوجبة على السلطنة العثمانية، وأيضًا ان يدفع جميع الضرائب المتوجبة على اليهود الذين سيسكنون فلسطين
ومن جهة اخرى جرى لقاء مع الامارات التي كانت على عداوة كبيرة مع السلطنة العثمانية وتحديدًا امارة ال سعود منذ عام 1812 ، وما ان حصل اللقاء بين وفد اليهود وامير ال سعود ، حتى تم الاتفاق على كل شيء ، ومنها الموافقة على قيام وطن يهودي في فلسطين ، على شرط ان يدفع شهريًا مبلغ وقدره خمسة الاف جنيه إسترليني لال سعود ، والفين جنيه إسترليني لكل قبيلة تتحالف مع ال سعود وهم كانوا يُعرفوا بالإخوان ، وبعد سقوط السلطنة العثمانية ، تعود كافة المناطق الى حكم ال سعود
وبالفعل بدأت قبيلة ال سعود بشن الحملات على المدن ومؤسسات السلطنة العثمانية ، حيث كان كل عام يتم اعداد جيش بأعداد كبيرة من القبائل التي تشترى بالمال اليهودي، وقد حصل ثمانية مواجهات مع السلطنة العثمانية وحلفائها من ال عجمان وال الرشيد بين الأعوام 1902 و 1907 وتحديدًا في عام 1904 أعلنت ولاية نجد حيث أضعف الجيش العثماني وتم طرده منها
وأيضا بين الأعوام 1901 و 1903 سجل موجة هجرة يهودية الى فلسطين لكنها كانت غير شرعية، وهي تمت بالتنسيق مع بعض العرب الذين كانوا بمراكز امنية او عسكرية عثمانية
في عام 1906 وصل ضابط تركي كبير الى مدينة يافا وكان ذا ميول علمانية ، وهو الضابط اتاتورك ، حيث كان لا يعترف بالخلافة الإسلامية مع انه قائد عسكري بجيش الخلافة الإسلامية
بعد زيارة اتاتورك الى يافا تغير تقريبًا كل شيء وبدأت الهجرة اليهودية بإزدياد وسمح بشراء الأراضي من قبل اليهود ، وحتى سمح بطرد الفلسطينيين
“ومن المفارقات ان الضابط اتاتورك أيضًا مات جميع اخوته عندما كان صغيرًا الا اخته التي كانت بالاشهر الأولى ، كما حصل مع حاكم مصر محمد علي باشا ، وأيضًا من المفارقات ان اتاتورك من مدينة سالونيك وهي مدينة في مقدونيا، وأيضًا من الصدف ان محمد علي باشا أيضًا من مدينة في مقدونيا”
فعليا بدا الدور العثماني يضعف في شبه الجزيرة العربية وفي الأوطان العربية ، وبدا المال اليهودي يتدفق بكثافة على العديد من القيادات السياسية والعسكرية العربية والعثمانية المتواجدة في الجغرافيا العربية ، وقد نجحت هذه القيادات بتجنيد الكثير من العملاء في صرح السلطان وحوله
كي لا اطيل اكثر ، ردًّا على وعد بلفور قامت عدّة ثورات أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٣٥م على يد الشيخ عزّ الدين القسّام فأرسل الإنتداب البريطاني لجنة بيل ١٩٣٧م التي أعلنت تقسيم فلسطين بين العرب واليهود
بعد وعد بلفور كانت الدول العربية تشن حروب على بعضها البعض بدل ان تقف في وجه الدخيل الذي زُرع في ارضها ، وبسببه تمت التفرقة والتجزئة ، ولعلهم كانوا يظنون انه انحصر خطره على فلسطين ، فلا بأس في ضياعها ، طالما انهم ناجون ، لكن انى لهم ذلك في ظل تطبيق [ النظام السياسي الأجير ] كما ذكرنا آنفًا
بالختام أيها العرب والمسلمين لتحرير انسكم كما تحرير فلسطين ليس لكم الا الوحدة واعتناق الفكر المقاوم ، وان تقدموا للقضية الفلسطينية ، بذات المقدار والحجم وأكثر مما قدمه ودفعه اليهود لاحتلال فلسطين ، أولا لتحافظوا على أنفسكم وبقائكم ومكتسباتكم ، لان العدو الصهيوني هو اخطر واقوى من أوروبا وامريكا مجتمعين ، فكيف بالعرب المنقسمين طوائف ومذاهب واديان
وتذكروا انكم { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }
2024-03-25