كيفية سقوط نظام المستبد الفاسد ونشوء الجمهورية!
جمال الطاهات
تواصل معي بعض الاخوة يتساءلون عن كيفية سقوط المستبد الفاسد وعائلته. فرغم سهولة التنبؤ بسقوط أي نظام، إلا أن هناك صعوبة موضوعية في توقع كيفية هذا سقوط. فلكل مستبد فاسد سيناريو سقوط خاص به، تحدد ملامحه العديد من العوامل المتداخلة. فهم لا يغادرون السلطة حسب نموذج معياري ديمقراطي، وضمن أجواء مسرحية مهيبة، بل لا بد من خلعهم واسقاطهم بشكل درامي.
لقد هرب زين العابدين بن علي، ولكن لم يتح لحسني مبارك الهرب. كما لم يتح لبشار الأسد أن يخطب ويعلن أنه بدأ يفهم الشعب السوري قبل هروبه. ولن يتاح للمستبد الفاسد في الأردن أن ينتهي مثل أي منهم، ولا حتى نهاية رجولية كنهاية علي عبد الله صالح.
فالقانون الناظم لكل الثورات هو استحالة تكرار سيناريو نجاح أي ثورة. فكل ثورة حدث تاريخي فريد، وقصص نجاح الثورات وسيناريوهاتها لا تتكرر، وإن كانت نتائجها متشابهة. لذلك فإن سيناريو سقوط المستبد الفاسد في الأردن، ينتهي بمشهد فريد وتاريخي، وتحدد ملامحه عوامل متداخلة.
عوامل ومؤشرات لاستثناء بعض السيناريوهات
صحيح أن مشهد سقوط المستبد الفاسد تكتبه أدوات النظام وقوى التغيير، عبر تفاعلهما الحي والواقعي، ولكن بالإمكان استثناء العديد من السيناريوهات. فمن جهة لا يوجد في الأردن جيش طائفي كما كان الحال في سوريا. كما لا توجد لدى المستبد الفاسد قدرات قيادية (وإن توفرت له الموارد المالية) على حشد ميليشيات مرتزقة كما حصل في ليبيا.
أدوات النظام الفعالة لإعاقة عملية التغيير الثوري في الأردن مهترئة وفاقدة لفاعليتها. وهي مجرد أدوات تفكيك لمنع تشكل المشروع الثوري. والانتخابات الأخيرة بنسبة مشاركة أقل من 32%، أظهرت ان النظام لا يحكم عبر مشروع سياسي، بل عبر منع وإعاقة المشروع الثوري، وتفكيك أي بديل له في المجتمع.
القوى الثورية في الأردن متداخلة، ويصعب التمييز بين يسارها وإسلامييها ووطنييها، كما لا توجد كتلة ثورية بملامح واضحة مثل سوريا أو اليمن. الالتباس الأيديولوجي لملامح حركة التغيير في الأردن، لا يعني ضعفها، ولا عدم فاعليتها. محدودية القوى الثورية في مهرجانات الاستعراض السياسي، لا تقيس فاعليتها الثورية.
الفاعلية الثورية تتقرر في ضوء الطلب الشعبي على الفعل الثوري نتيجة للاستبداد والفساد، وفي القدرة على تقديم ما يحتاجه شعبنا ليسترد دولته سلطة وموارد، ويبني دولته الحقيقية التي تعبر عن وجدانه وقيمه، وتخدم مصالح كل مكوناته في ذات الوقت.
العوامل الدولية
يتخوف العديد من فرضية تنتمي إلى عهد الحرب الباردة، قوامها أن إسرائيل والولايات المتحدة، سيسندان المستبد الفاسد، ويمنعان سقوطه. هذه الفرضية تحتاج إلى مراجعة. فمن الثابت أن العلاقات الدولية عقلانية، محمولة على حسابات الكلفة والعائد. وهناك حدود لما يمكن للقوى الدولية والإقليمية تقديمه لمنع سقوط نظام حليف لها. وهذه الحدود متعلقة بعاملين: قدرة النظام الحليف على الاستثمار الفعال للدعم الخارجي الذي يحظى به لإدامة حكمه، ووجود قوة ثورية فعالة.
ولا توجد دولة ستتورط في محاربة شعب للحفاظ على نظام حليف. ولن يتورط أي طرف دولي بمحاربة الشعب الأردني للحفاظ على نظام مستبد فاسد فاشل، تحول إلى عبء أمنى ومالي على حلفائه.
التجربة الأفغانية، كما السورية، تكشفان العوامل الحاسمة لإنهاء الدعم الدولي لأي مستبد فاسد. وربما أهمها على الاطلاق هو تحول الحالة الثورية من حالة كامنة إلى حالة موجودة بالفعل تعزز ثقة الشعب بنفسه، وتدفع حلفاء المستبد الفاسد للتخلي عنه. المشروع الثوري المحمول على سواعد وطنية، من شأنه العمل على بعدين: حرمان المستبد الفاسد من الدعم الخارجي، وتعزيز قوة الشعب في مواجهته.
من جهة أخرى، فإن إفراط المستبد الفاسد وتكراره للكذب والخداع، كشف عجزه. كل التكتيكات السياسية تخضع لقانون تناقص الفاعلية والجدوى. والكذب والخداع يفقد قيمته بعد الاستعمال الأول. وله فاعلية مزدوجة: يفقد المستبد الفاسد حلفائه، ويقدم مبررات للثورة. والمستبد الفاسد مضطر للكذب بسبب عجزه عن تقديم مبادرة سياسية حقيقية كما حصل في المغرب والجزائر، تقنع الشعب بالتخلي عن خيار التغيير. وهو أقرب إلى بشار الأسد الذي خذل حلفاءه بعجزه عن تقديم أي مبادرة للإصلاح السياسي بعد عام 2017.
دور القوى الثورية:
الدرس التاريخي الأبرز هو أن النظم المستبدة الفاسدة هي من تصنع مبررات الثورة وتجعلها ضرورة، تلجأ إليها الشعوب. القوى الثورية لا تصنع الثورات ولا تخترع مبرراتها، وإنما تمكن الشعب من تنفيذها وانجازها. والقوى الثورية تكتفي بإطلاق شرارة الثورة، ثم تمنح الشعب الشعلة التي تمكنه من انجاز ثورته. فالثورة منجز للشعوب وليس للقوى الثورية. وشعلة الثورة تتلخص في توضيح مستقبل الدولة بعد سقوط المستبد الفاسد. القوى الثورية تحفز التغير الثوري عبر تعزيز ثقة الشعب بنفسه، وتمكينه من تبين الطريق نحو المستقبل المزدهر، ويجب أن يبقى دورها في ذلك النطاق. وبعد سقوط المستبد الفاسد، يبدأ مباشرة إعادة بناء الدولة، وهي مرحلة تاريخية مختلفة، يجب العمل على توضيح ملامحها فوراً، وإن كان تنفيذها له متطلبات من نوع آخر.
كلمة أخيرة:
تقديم التصورات للمرحلة القادمة هي إحدى المهام المركزية للقوى الثورية، من اجل تعزيز ثقة الشعب الأردني بنفسه، وتمكينه من ان يكون السيد الوحيد في وطنه. ولا تعني فرض الوصاية على الشعب، بل يعني تبيان الممكنات البديلة.
والقوى الثورية لا تصنع السيناريوهات، ولكنها تخدم التحول الثوري، بكفاءة ويقظة وانتباه، كما أنها تلتزم بأن تمكن الشعب من انجاز ثورته، واستعادة دولته سلطة وموارد، وحمايتها من ان تختطف مرة أخرى من قبل أي عميل مرتزق.
2025-09-17