اشتباك دبلوماسي إسباني-إسرائيلي يمتد إلى الرياضة والثقافة!
بتبنيها سياسة المواجهة الشاملة، وضعت حكومة بيدرو سانشيز إسبانيا في طليعة تيار أوروبي متعاظم يسعى إلى فرض عزلة متعددة الأوجه على الدّولة العبريّة
سعيد محمد*
لم يكد يمر أسبوع على فرض مدريد حزمة عقوبات غير مسبوقة على تل أبيب، حتى تحولت الأزمة بين المملكة والكيان من خطاب سياسي إلى اشتباك دبلوماسي حاد، وصل إلى حد تبادل الإهانات الشخصية بين كبار المسؤولين. واستدعت وزارة الخارجية الإسبانية، أمس الثلاثاء، القائم بالأعمال الإسرائيلي في مدريد للاحتجاج رسمياً على وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأنه “معاد للسامية وكاذب”.
هذا التصعيد الحاد، الذي يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية المعهودة، يأتي في خضم تحركات إسبانية متسارعة لنقل المواجهة مع الدّولة العبريّة من أروقة السياسة إلى الساحات الرياضية والثقافية العالمية، حيث تقود مدريد الآن حملة نشطة لحظر إسرائيل من المنافسات الدولية، بدءاً من مسابقة “يوروفيجن” الغنائية وصولاً إلى جميع المحافل الرياضية الدوليّة، في مشهد يعيد إلى الأذهان العزلة التي فُرضت على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، ويهدد بانتقال المواجهة من كونها أزمة ثنائية إلى معركة أيديولوجية تقودها إسبانيا لعزل إسرائيل على الساحة العالمية، مستندة إلى دعم شعبي وسياسي أوروبي متزايد، لا سيما بعد صدور تقارير خبراء ومقررين خاصين في الأمم المتحدة وصفوا ما ينفذه الجيش الإسرائيلي في غزة بحرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
ذروة الانهيار الكامل في العلاقات جاءت في تغريدة نشرها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يوم أول من أمس، قال فيها: “سانشيز وحكومته (الشيوعية) معادون للسامية وأعداء للحقيقة”. لم يكن هذا الهجوم الشخصي المباشر الأول من نوعه، فقد سبق لساعر أن وصف سانشيز بأنه “وصمة عار” وحمّله مسؤولية إثارة الاحتجاجات التي أدت إلى إلغاء المرحلة النهائية من سباق “فويلتا إسبانيا” للدراجات الهوائية.
الرد الإسباني جاء حازماً وفورياً، إذ أعلن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس عن استدعاء القائم بالأعمال الإسرائيلي، دانا إيرليخ، للتعبير عن رفض مدريد القاطع لـ”الكلمات والمواقف غير المقبولة” الصادرة عن نظيره الإسرائيلي. هذه الخطوة، التي تلي استدعاء مدريد لسفيرتها من تل أبيب الأسبوع الماضي، تؤكد أن العلاقات دخلت مرحلة القطيعة الفعلية، حيث لم يعد هناك مجال للحوار البنّاء.
تصريحات ساعر الغاضبة جاءت رداً على دعوة سانشيز الصريحة لاستبعاد إسرائيل من جميع المنافسات الرياضية الدولية “حتى تنتهي وحشيتها”. وتساءل سانشيز أمام منسوبي حزبه الاشتراكي: “لماذا طُردت روسيا بعد غزو أوكرانيا ولم تُطرد إسرائيل بعد غزو غزة؟”، معتبراً أنه لا يمكن لإسرائيل “الاستمرار في استخدام أي منصة دولية لتبييض صورتها”.
ولم تعد المواجهة محصورة في إطاراتها السياسية والدبلوماسيّة، بل امتدت لتشمل الميادين التي يفترض أنها بعيدة عن الصراع، وغدت إسبانيا رأس الحربة في تيار أوروبيّ يهدف إلى استخدام “القوة الناعمة” للثقافة والرياضة كأدوات ضغط فعالة لوقف الإبادة.
وشكلت الأحداث التي وقعت يوم الأحد الماضي نقطة تحول، بعد أن أُجبر منظمو أحد أعرق سباقات الدراجات الهوائية في العالم على إلغاء مرحلته النهائية في مدريد عندما أغرق أكثر من 100 ألف متظاهر مؤيد لفلسطين مسار السباق، مستهدفين فريق “إسرائيل-بريمير تك”. وبدلاً من إدانة الفوضى، أشاد سانشيز بالمتظاهرين قائلاً: “إسبانيا اليوم تتألق كمثال ومصدر فخر… في الدفاع عن حقوق الإنسان”، وهي تصريحات اعتبرتها إسرائيل تحريضاً مباشراً.
وتلا ذلك (الثلاثاء) تصوت مجلس إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية (RTVE) لصالح مقاطعة مسابقة “يوروفيجن” للأغاني لعام 2026 إذا شاركت إسرائيل. هذا القرار يجعل إسبانيا الدولة الخامسة التي تهدد بالانسحاب بعد هولندا وأيرلندا وسلوفينيا وأيسلندا، والأهم من ذلك، هي أول دولة من مجموعة “الخمسة الكبار” (إلى جانب بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، الممولين الرئيسيين للمسابقة، تتخذ مثل هذا الموقف، مما يضع ضغطاً مالياً وسياسياً هائلاً على اتحاد البث الأوروبي (EBU).
خطوات مدريد لمعاقبة الكيان، بدأت تترجم إلى إجراءات اقتصادية وعسكرية ملموسة. فبعد أيام من إعلان سانشيز عن تحويل الحظر الفعلي المفروض على مبيعات الأسلحة لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 إلى مرسوم ملكي يجعله “حظراً قانونياً ودائماً”، أفادت تقارير إعلامية متطابقة، بما في ذلك صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن الحكومة الإسبانية ألغت عقداً بقيمة تقارب 700 مليون يورو لشراء 12 منظومة قاذفات صواريخ من تصميم شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية. هذا الإلغاء يمثل ضربة اقتصادية مباشرة لقطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية، ويؤكد جدية مدريد في تنفيذ حظر الأسلحة الذي أعلنت عنه الأسبوع الماضي.
وشملت الإجراءات الإسبانية الأخرى منع السفن التي تحمل وقوداً للجيش الإسرائيلي من الرسو في الموانئ الإسبانية، وحظر استخدام الطائرات الحكومية التي تنقل مواد دفاعية لإسرائيل للمجال الجوي الإسباني، بالإضافة إلى منع دخول “جميع الأشخاص المتورطين بشكل مباشر في الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في غزة” إلى الأراضي الإسبانية.
وكان من الملفت أن الموقف الإسباني بدأ يكتسب زخماً على مستوى الاتحاد الأوروبي. فقد دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الأسبوع الماضي إلى تعليق اتفاقية التجارة الحرة والدعم الثنائي مع إسرائيل، مشيرة إلى “المجاعة التي من صنع الإنسان” في غزة، ومعربة عن أسفها لما أسمته “عجز أوروبا المؤلم” عن إيجاد رد مناسب على تصرفات إسرائيل، مما يشير إلى أن موقف مدريد المتشدد لم يعد معزولاً.
داخلياً، أثارت سياسات سانشيز المتشددة تجاه إسرائيل عاصفة من الجدل داخل إسبانيا، وكشفت عن استقطاب حاد في المشهد السياسي هناك. فقد سارع قادة المعارضة اليمينية إلى اتهامه بالإضرار بسمعة إسبانيا الدولية. وقال زعيم حزب الشعب المحافظ، ألبرتو نونيث فيخو، إن سانشيز “فخور بسلوك قلة اقتحمت حواجز الشرطة”، واصفاً إلغاء سباق “فويلتا” بأنه “إحراج دولي تم بثه في جميع أنحاء العالم”. وسارعت شخصيات من الجالية اليهودية وأخرى داعمة لإسرائيل، مثل رجل الأعمال ديفيد هاتشويل ألتاراس، إلى اتهام سانشيز باستغلال القضية كـ”ستار دخان” للتغطية على فضائح فساد تحقق فيها المحاكم وتطال زوجته وشقيقه، وتحويل إسرائيل إلى كبش فداء لصرف الانتباه عن مشاكله الداخلية. لكن مؤيدي سانشيز – الذين يستندون إلى استطلاعات للرأي أظهرت أن 82% من الإسبان يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية -، يقولون أن رئيس الوزراء يعبر في إجراءاته عن ضمير الأمة الإسبانية واستجابة حتمية للالتزامات الأخلاقية لها في وجه ما يصفونه بـ”الهمجية”.
بتبنيها سياسة المواجهة الشاملة، تمركزت حكومة بيدرو سانشيز إسبانيا في طليعة تيار أوروبي متعاظم يهدف إلى فرض عزلة متعددة الأوجه على إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وثقافياً ورياضياً، ما أدخل العلاقات الثنائية مدريد – تل أبيب في منعطف حاسم قد يصعب الرجوع عنه. هذه الاستراتيجية التصادمية لا شكّ ستضع مدريد في مواجهة ضغوط هائلة من الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته ترسخ دورها كقائدة لمعركة دولية يمكن أن تسبب بعزلة خانقة لإسرائيل.
لندن
2025-09-17
تعليق واحد
الم يشعروا الرؤوساء والملوك والمشايخ العرب بالخزي والعار والمذلة عندما يقرأون الخبر ومواقف دول وحكام غربيين ليس لديهم روابط مع اهالي غزة سوى تعاطفهم الاخلاقي والانساني حول الابادة الجماعية التي يتعرض لها اطفال ومشايخ ونساء غزة العزل امام العدوان البربري الفاشي . الغرب الكافر والغرب صاحب الاكلات السريعة والهمبورغر والكوكاكولا نهض واستيقض واخذ موقف شجاع ضد الدولة اللقيطة كهولندا وايرلندا وسلوفاكيا ودول غربية اخرى.
بينما الحكام العرب او الارانب العرب فلا يملكون سوى التخاذل والهرولة الى الاهانة والمذلة .
تحية لكل شخص وقائد ومسؤول يقف مع غزة ويدعمها ويفضح بربرية الصهيونية